: آخر تحديث

فتنة النوتيلا

4
2
3

بينما تحلق مركبة ناسا الفضائية حول القمر لاستكشاف تضاريس نصفه المجهول تمهيدًا للهبوط عليه، وبينما تعكف معامل شركات الدواء في سويسرا والنمسا وبريطانيا على تطوير حقنة عضل، قريبًا في الأسواق، لعلاج أكثر من عشرين نوعًا من السرطانات، وبينما يصنع الصينيون كل شيء ويطورون كل شيء، وبينما يبهرنا إيلون ماسك كل يوم بتقنياته المبتكرة، هذه العقول المتفتحة المنفتحة تنتج وتبتكر وتصنع وتزرع وتتطور وتطور كل ما هو في خدمة الإنسانية وإعمار الكون ومكافحة الجوع والفقر والمرض وكل احتياجات البشرية، وبينما وبينما، بينما نحن ههنا قابعون في هذه البقعة الموبوءة من الكوكب، قابعون في مستنقع بداوة وجهل متجدد، ولم يعد التطلع إلى المستقبل بهدف اللحاق بركب العلم والبحث والإنسانية والخروج من قائمة المجتمعات العالة على الكوكب، لم يعد ذلك أولوية لمجتمعات تكلست عقولها وارتضت خانعة حكم هذه المنظومة الاستبدادية.

ظاهرة أخرى غريبة تجتاح هذه الأدمغة، وهي إنكار العلم وتسفيهه، واللهاث وراء خزعبلات يطلقها متهوسون ليقنعوا البسطاء بنظرية المؤامرة في كل شيء يمت للعلم بصلة، وأي اكتشاف أو ابتكار أو اجتهاد هو إنكار "للمعلوم بالضرورة"، والمعلوم بالضرورة هو فقط ما يتماهى أو يتماشى أو يتوافق مع عقول وثقافة أنصاف المتعلمين والجهلة والدهماء، وثقافتهم المتجذرة هي الدجل والشعوذة المغلفة بإطار من القداسة والتأليه، وبدلاً من محاولة الارتقاء بهم وبثقافاتهم، يحدث العكس، يجارونهم ويمالئونهم وينافقونهم بهدف واحد خبيث، هو استمرار حالهم على ما هو عليه، لأن أي ارتقاء أو تطور أو تغيير في ثقافة هذه المجتمعات هو خطر داهم، فهو قد يخرجهم من عبودية القطيع.

وأذكر أنه في مستهل فترة حكم ديني مظلمة في تاريخ مصر، كان التلفزيون يذيع برامج من هذا النمط، أحدها كان أحد الشيوخ يفسر للمشاهدين كيف أن الهبوط على القمر هو كذبة وخدعة صورت في صحراء نيفادا. وبالرغم من أنني لم أتعود الكتابة في أحداث جارية، إلا أن النقاش الحاد في هذا الموضوع الذي سنتعرض له كان مستفزًا، وفي الوقت نفسه كان كاشفًا لما وراء الحدث أكثر بكثير من الحدث نفسه، كان كاشفًا لأحوال متردية لعقول تسكن أدمغة توقف نموها عند القرن السادس أو ما قبله، وتشبعت بمرويات أسطورية، ومع الزمن امتزجت بخلاياها الجذعية، وبالتالي توارثتها الأجيال حتى وصلنا إلى هذه الملهاة المحزنة.

حيث يخرج شخص مهووس ويطيح بكل القواعد الطبية والعلمية والمدققة والراسخة، وبالطبع، لتحسين تسويقها، غلفها بغلاف ديني، ولذكائه هو يعرف تمامًا أن هذا الغلاف مضمون، فهو منتشر في كل فنون تسويق كل البضائع، بدءًا من دواجن التوحيد إلى سقاهم ربهم شرابًا طهورًا، وعلى نفس المنوال أعلن الرجل عن نظام تغذية لشفاء الأمراض، كل الأمراض، ودغدغ مشاعر البسطاء بعبارة دينية تعلق بها الناس المتعبون المنهكون اليائسون كما يتعلق الغريق بقشة، وانتشر الرجل على الميديا انتشار النار في الهشيم، انتشر بفعل فاعل خبيث، ومعه كثر غلفوا بضاعتهم الفاسدة بهذا الغلاف المزور، وتبعه ملايين المغيبين مهللين مكبرين بانتصار الجهل والاحتيال والنصب باسم الدين، انتصار على العلم والبحث المضني، ولفظ النوتيلا في العنوان هو أحد "افتكاسات" الرجل كوصفة علاج ناجع بأحد أنواع الأغذية المحفوظة على الأمراض المستعصية وغير المستعصية، وأضيفت فتنة جديدة إلى قائمة الفتن الكثيرة النائمة والمستيقظة: فتنة النوتيلا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.