في القرن الثاني عشر الميلادي، كانت أوروبا تعيش تحت وطأة هيمنة اللاهوت الكنسي الذي يضع قيودًا صارمة على التفكير الحر. المعرفة في تلك الحقبة كانت محتكرة داخل جدران الأديرة، والعقل لا يتحرك إلا في المساحات التي يسمح بها الإيمان. لكن، ومن مفارقات التاريخ، جاءت الشرارة التي أوقدت ثورة العقل الأوروبي من جنوب إسبانيا، وتحديدًا من كتابات قاضٍ وفيلسوف مسلم من قرطبة، إنه ابن رشد.
كان دخول الفلسفة اليونانية إلى أوروبا زلزالًا معرفيًا تم عبر حركة ترجمة نشطة تركزت في مدينة طليطلة. هناك، نُقلت شروح ابن رشد لأعمال أرسطو من العربية إلى اللاتينية. لم يكتفِ ابن رشد بنقل نصوص المعلم الأول، بل قدمها نقية، مجردة من الشوائب الأفلاطونية والتلفيقات اللاهوتية التي أضافها فلاسفة سابقون.
لقد قدّم ابن رشد لأوروبا نموذجًا للعقلانية الصارمة التي تبحث في الطبيعة والميتافيزيقا دون أن تضطر إلى تطويع استنتاجاتها لخدمة العقائد الدينية واللاهوت بشكل قسري.
تلقف المفكرون الأوروبيون في جامعة باريس، وفي مقدمتهم سيجر دي برابانت، شروح ابن رشد بشغف هائل. تشكل تيار عُرف تاريخيًا بـ"الرشدية اللاتينية".
أدرك هؤلاء المفكرون من خلال ابن رشد أن الفلسفة يمكن أن تكون كيانًا مستقلاً يمتلك أدواته البرهانية الخاصة، وأن العقل البشري قادر على الوصول إلى الحقيقة الكونية دون الحاجة إلى وصاية اللاهوت. هذا الاستقلال كان بمثابة إعلان تحرير للعقل الأوروبي.
في كل مرة نشغل فيها مصباحًا كهربائيًا، أو نركب قطارًا، أو نستخدم آلة طباعة تسارع نشر المعرفة، فإننا نلمس نتاجًا ماديًا لثورة صناعية هزت أركان العالم في القرن الثامن عشر. لكن الجذور الفكرية لهذه الثورة تمتد بعيدًا في الزمان والمكان، إلى قرطبة الأندلس وتحديدًا إلى رجل لم يرَ محركًا بخاريًا قط، إنه أبو الوليد ابن رشد.
كيف يمكن لفيلسوف مسلم عاش قبل الثورة الصناعية بسبعة قرون أن تكون له علاقة بتلك القاطرات والتقنية؟ الإجابة تكمن في تلك السلسلة الطويلة غير المرئية التي تربط الفكرة بـ"الآلة".
لم يخترع ابن رشد محركًا، لكنه اخترع شيئًا أكثر جوهرية، جهز عقلية قادرة على اختراع المحرك.
في زمن كانت فيه أوروبا تغرق في تفسير الظواهر الطبيعية كمعجزات خارقة، كان قاضي قضاة قرطبة يكتب دفاعه الشهير عن مبدأ السببية. كان يصر بجرأة نادرة، على أن النار تحرق لأن طبيعتها الإحراق وليس لأن الله يخلق الاحتراق في كل لحظة حسب مشيئته. هذا الإصرار بدا آنذاك مجرد هرطقة لاهوتية، لكنه كان في جوهره وضع حجر الأساس للعلم التجريبي.
كانت شروحات ابن رشد لأرسطو في جامعات باريس وبادوفا بمثابة بطارية فكرية تشحن العقول الأوروبية المنهكة من هيمنة اللاهوت الجامد. أصبح اسمه في اللاتينية أفيرويس، وبرز تيار الرشدية اللاتينية الذي أعلن الحرب على فكرة ازدواجية الحقيقة، إذ لا يمكن أن تكون للدين حقيقة وللفلسفة حقيقة أخرى. إما أن العالم يسير وفق قوانين عقلية ثابتة يمكن اكتشافها، أو أنه فوضى خارقة لا يستقر عليها علم. اختار هؤلاء الأوروبيون المتمردون حكمة ابن رشد، ودفعوا ثمن ذلك غاليًا بتكفير الكنيسة لهم ومصادرة كتبه.
لكن العقول المغامرة في عصر النهضة ظلت تتداول نصوصه سرًا. فكانت هذه النصوص هي التي همست في أذن كوبرنيكوس وغاليليو أن الرياضيات هي لغة الطبيعة، وأنه لا توجد معجزات تعطل سير الأفلاك.
ثم انتقلت هذه الروح إلى عصر التنوير، حيث أعلن فولتير وسبينوزا أن العقل البشري، بنوره الخاص، قادر على فك شفرات الكون دون وساطة كهنوتية. وهنا اكتملت الحلقة، فالثورة الصناعية لم تكن بحاجة فقط إلى الفحم والحديد، بل كانت بحاجة ماسة إلى هذه العقلية الجديدة التي تؤمن بأن الإنسان ليس عبدًا لقوانين غامضة، بل سيدًا يمكنه فهم هذه القوانين ثم تسخيرها.
عندما اخترع جيمس واط المحرك البخاري، لم يكن يعرف ابن رشد بالاسم، لكنه كان يعيش في حضارة كانت قد استوعبت بعد صراع مرير مبدأ السببية وثبات قوانين الطبيعة. كان يعرف أن البخار إذا حوصر في إناء ضيق فإنه سيدفع المكبس بقوة محسوبة ومتوقعة.
هذا اليقين في إمكانية التنبؤ بالطبيعة هو ما سمح بتحويل الحرارة إلى حركة، ثم الحركة إلى إنتاج، ثم الإنتاج إلى ثورة.
إنها قوانين الطبيعة وسنن الله التي قال عنها الله عز وجل في محكم كتابه: "ولن تجد لسنة الله تبديلاً".
لقد صحح ابن رشد الفهم الخاطئ للاهوت الكنسي وصنع مدًا عقلانيًا.
إلا أن هذا المد العقلاني الرشدي لم يمر بسلام، فقد استشعرت الكنيسة الكاثوليكية وتيار الأوغسطينية المحافظ خطرًا داهمًا يهدد أسس العقيدة المسيحية، خاصة فيما يتعلق بقضايا خلود النفس وقدم العالم.
انبرى مفكرون كبار مثل القديس توماس الأكويني وأستاذه ألبرت الكبير للتصدي لهذا التيار، جادل الأكويني بأن العقل لا يمكن أن يكون مستقلاً تمامًا ومناقضًا للوحي، بل يجب أن يكون خادمًا للاهوت.
أصدر أسقف باريس إيتيان تومبييه قرارات تحريم شهيرة شملت عشرات القضايا الرشدية، وتم قمع التيار الرشدي وطرد رموزه.
بالرغم من قرارات المنع والتحريم الكنسي، فإن البذور الرشدية التي زُرعت في عقول اللاتين لم تمت. لقد كسر ابن رشد احتكار اللاهوت للمعرفة، ومهد الطريق أمام استقلالية الفكر العلمي والفلسفي، ليكون بذلك أحد أهم الروافد الخفية التي مهدت لعصر النهضة الأوروبية.


