: آخر تحديث

نافذة «البيوت الثقافية»

3
3
4

الرياض اليوم مدينة ضخمة تعج بالحياة والعمل؛ مشاريع كبرى تتسابق، وفعاليات تتزاحم، لكن من مفارقتها أنها مازالت تفتقد للمساحات الصغيرة القادرة على احتضان المهتمين الذين يريدون أن يلتقوا حول قضية مهنية أو تجربة ملهمة.. دون بيروقراطية مرهقة، ودون اجتهادات قد لا تملك إلا نواياها الطيبة.

ليس المقصود مؤسسات عملاقة أو مراكز ضخمة، فهذه موجودة، بل المقصود أن كثيرًا من الفعاليات الثقافية الصغيرة اليوم تُنظّم بطريقتين؛ إما عبر اجتهادات فردية في المقاهي غالبًا، أو عبر مسارات تنظيمية معقدة في بعض الجهات.. وفي الحالتين تضيع الغاية بين عشوائية التنفيذ أو ثقل الإجراءات.

هنا تظهر قيمة "البيوت الثقافية"؛ وهي إحدى المبادرات التي أطلقتها هيئة المكتبات لإعادة تعريف المكتبة العامة، وتحويلها إلى مساحة تفاعلية مفتوحة للمجتمع، كحاضنة للفعاليات الصغيرة، والمبادرات الفردية، ونموذج يقول إن الثقافة يمكن أن تكون قريبة، بسيطة، يومية، وأن هناك مساحة يمكن أن تحتوي المبادرات الصغيرة قبل أن تحرفها الاجتهادات أو تقتلها البيروقراطية.

التعاون الذي رأيته أمس الأول بين البيوت الثقافية وهيئة الصحافيين عبر استضافتها جلسة حوارية عن هموم الصحافة؛ مثال يمكن البناء عليه.. لأنه يدعم دور مؤسسات المجتمع المدني، ويمنحها مساحة حقيقية للتواصل والتأثير.. والأهم أن هذا الدور إذا لم يُملأ، سيُملأ بغيره.. حيث سنجد فعاليات يصنعها أفراد مجتهدون، أو حسابات في وسائل التواصل، أو حتى مشاهير، يطرحون قضايا لا تشبه المجتمع، ويصنعون صورة لا تعكس واقعه.. ليس سوء نية بالضرورة، بل فراغ تم ملؤه.

قيمة "البيوت الثقافية" الحقيقية ستظهر أكثر حين تنتشر داخل الأحياء، وتكون قريبة من الناس في يومهم العادي.. لتتحول إلى منصات مستمرة، تُبنى فيها علاقات، وتتراكم فيها التجارب، فالمساحات الصغيرة تفقد معناها إذا بقيت بعيدة أو محصورة في نطاق ضيق.. ولنا أن نتخيل ما يمكن أن تبنيه هذه البيوت إذا خرجت من دورها التقليدي إلى دورها الحقيقي: بأن تكون حاضنة لما لا تراه المؤسسات الكبيرة: الفعاليات الصغيرة التي تصنع في تراكمها ثقافة المدينة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد