: آخر تحديث

هل تتغير معادلة الأمن في أوروبا؟

3
3
2

إن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا لم يعد ممكنًا التعامل معه بوصفه حقيقة ثابتة أو ضمانة نهائية خارج النقاش. وما يتغيّر اليوم ليس مجرد نبرة تصريحات عابرة، بل طبيعة الالتزام نفسه. بلا شك، فإن السؤال لم يعد: هل تنسحب الولايات المتحدة؟ بل: كيف تعيد تعريف حضورها، وبأي كلفة، وعلى حساب من، وبأي دور لأوروبا في تحمّل هذا العبء؟

في هذا السياق، لم تعد الإشارات القادمة من واشنطن قابلة للتجاهل أو للقراءة كأوراق تفاوضية عابرة. فمنذ أوائل أبريل 2026، كانت التقارير تتحدث عن أن دونالد ترامب ناقش مع مستشاريه خيار سحب بعض القوات الأمريكية من أوروبا، من دون صدور قرار نهائي بعد.

ثم تحوّل التلميح إلى ضغط علني عندما صعّد انتقاداته للناتو والحلفاء الأوروبيين، قبل أن يعلن البنتاغون في مطلع مايو سحب 5000 عسكري من ألمانيا، في خطوة جاءت بعد أيام من تلويحه بإعادة النظر في مستويات الانتشار العسكري الأمريكي في القارة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ قال ترامب لاحقًا إن التخفيض في ألمانيا سيذهب أبعد بكثير من خمسة آلاف، في أوضح إشارة إلى أن الوجود العسكري الأمريكي لم يعد التزامًا مفتوحًا، بل ورقة قابلة لإعادة التقييم وإعادة التسعير وفق موازين الكلفة والجدوى.

الرد الأوروبي لم يكن موحدًا، لكنه كان كاشفًا لقلق مشترك. في ألمانيا، تعمّد وزير الدفاع بوريس بيستوريوس تبريد وقع القرار، فوصف سحب 5000 جندي بأنه "متوقع" و"يمكن التنبؤ به"، لكنه ربط ذلك مباشرة بضرورة أن يتحمّل الأوروبيون مسؤولية أكبر عن أمنهم، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الوجود الأمريكي في ألمانيا وأوروبا يصب في مصلحة الجانبين، لا في مصلحة طرف واحد فقط.

وعلى المستوى الأوروبي الأوسع، جاء الرد أقل صخبًا من حجم الحدث، لكنه اتجه في الاتجاه نفسه، حيث تم تأكيد استمرار أهمية الشراكة الأطلسية، مع التسليم بأن قرار واشنطن يجب أن يدفع أوروبا إلى تسريع بناء قدراتها الذاتية، بدل الاكتفاء بالاعتراض السياسي أو الرهان على عودة الأمور إلى ما كانت عليه.

أما في فرنسا، فكانت النبرة أكثر صراحة، فقد شدد إيمانويل ماكرون على أن الجدية في إدارة التحالفات أصبحت ضرورة، منتقدًا الرسائل الأمريكية المتناقضة، ومؤكدًا أن أوروبا لا يمكن أن تبقى رهينة قرارات تأتي من وراء الأطلسي. بل ذهب أبعد حين قال: "لكي تبقى حرًا، يجب أن تكون مخيفًا"، في إشارة مباشرة إلى نهاية مرحلة الاعتماد المريح على مظلة الآخرين، وإلى ضرورة أن تصبح أوروبا لاعب ردع، لا مجرد مستفيد من ردع الآخرين.

هذه المواقف لا يمكن فهمها من دون العودة إلى الافتراض الذي حكم العلاقة الأمنية عبر الأطلسي لأكثر من سبعة عقود، وبلا شك، فإن الولايات المتحدة ستبقى الضامن النهائي لأمن أوروبا، وأن أي تهديد وجودي للقارة سيُجابَه في النهاية بالقوة الأمريكية. هذا الافتراض لم يُختبر بجدية إلا مؤخرًا، مع تصاعد الحديث داخل الولايات المتحدة عن كلفة هذا الدور، وعدم عدالة توزيع الأعباء، وضرورة أن يدفع الأوروبيون أكثر مقابل أمنهم، وهو ما تُرجم في تبنّي الناتو أهداف إنفاق دفاعي أعلى تصل تدريجيًا إلى 5 في المئة من الناتج المحلي، بينها 3.5 في المئة للدفاع الأساسي.

مع ذلك، ما يحدث ليس انسحابًا كاملًا بقدر ما هو إعادة تسعير للالتزام، فالولايات المتحدة لا تغادر أوروبا، لكنها لم تعد مستعدة للبقاء بالشروط السابقة نفسها، ولا تحت سقف التوقعات القديم. وكذلك فإن العلاقة تتحول من ضمانة شبه مطلقة وغير مشروطة إلى شراكة مشروطة تُقاس فيها الأعباء، وتُراجع فيها الالتزامات، ويُسأل فيها الحلفاء: ماذا تقدّمون أنتم مقابل ما تطلبونه من واشنطن؟ هنا يصبح الدفاع عن أوروبا، كما تقول تحليلات أمريكية وأوروبية متزايدة، مسؤولية أولى للأوروبيين، مع بقاء الردع النووي الأمريكي والإسناد في حال الأزمات الكبرى، لا العكس.

هذا التحول لا يطال أوروبا وحدها، بل يعيد رسم العلاقات الأطلسية من أساسها. فواشنطن التي تضغط لرفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي وترحّب بزيادات غير مسبوقة في ميزانيات الجيوش، ترى في ذلك من جهة دليلًا على أن الشركاء بدأوا يتحملون نصيبهم العادل، لكنها تنظر في الوقت نفسه بعين القلق إلى أي حديث أوروبي عن استقلال استراتيجي أو تفضيل شراء أوروبي، قد يُقرأ في واشنطن وبروكسل على حد سواء كخطوة أولى نحو تحويل القوة العسكرية إلى رافعة نفوذ تفاوضي مستقلة عن الناتو.

وهكذا، لم تعد المسألة تدور حول وجود القوات الأمريكية بحد ذاته، بل حول شروط هذا الوجود، وكلفته السياسية والمالية، ومن يتحملها فعليًا. وبالتالي، فإن هذا التحول يغيّر طبيعة النقاش داخل الناتو ومن حوله: من سؤال "هل تبقى أمريكا معنا؟" إلى سؤال "على أي أساس تبقى؟ وبأي ثمن؟ وكيف نضمن ألا يتحول بقاؤها إلى أداة ابتزاز سياسي أو مالي؟"؛ وهو نقاش يتقاطع فيه ما هو استراتيجي بما هو انتخابي في العواصم الغربية على حد سواء.

ما يحدث لا يعني انهيار التحالفات العابرة للأطلسي، ولا انقطاعًا مفاجئًا في خطوط الدفاع المشتركة، لكنه يعكس مرحلة إعادة صياغة حساسة لمعادلة الأمن في أوروبا، ولطبيعة العلاقات الأطلسية نفسها. وهنا، لا يأتي التغيير بقرار واحد أو وثيقة واحدة، بل عبر تراكم إشارات وقرارات وتصريحات، يُعاد من خلالها رسم العلاقة تدريجيًا، وتُعاد كتابة العقد الضمني الذي حكم الضمانة الأمريكية لعقود، بحيث تصبح أوروبا أكثر تحمّلًا للكلفة، وأمريكا أقل استعدادًا للتضحية المنفردة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.