: آخر تحديث

لماذا يتعثر مشروع الاتحاد الخليجي؟

3
1
3

لم يكن تعثر مشروع الاتحاد الخليجي نتيجة غياب المشتركات بين دول مجلس التعاون؛ فالجغرافيا واحدة، والمصالح الاقتصادية متشابكة، والتهديدات الأمنية متقاربة، والمجتمعات الخليجية متداخلة في الثقافة والأنساب والعادات والتقاليد. غير أن هذه المشتركات اصطدمت برؤى سياسية أحادية أضعفت الثقة، وأبقت مشروع الاتحاد بعيد المنال. ومهما اتسعت هذه المشتركات، فإنها لا تكفي لتأسيس اتحاد من دون قواعد سياسية وأمنية واضحة تضبط العلاقة بين أعضائه. وحين تتصرف بعض الدول خارج منطق الشراكة، وتدير الملفات الإقليمية بطريقة تثير الريبة لدى بقية الأعضاء، تبدأ الخلافات بالخروج إلى العلن.

ومن أبرز العوائق أمام الاتحاد الخليجي تأتي أولًا سياسة الحياد المعلن، أو ما يمكن تسميته بالتقية السياسية. فحين تُظهر دولة خليجية لجيرانها خطاب الحياد والاتزان، ثم تكشف مواقفها السياسية واللوجستية عن قرب ثابت من النظام الإيراني، يتحوّل الحياد المعلن إلى غطاء لانحياز عملي لا يمكن أن يؤسَّس عليه اتحاد. وليست المشكلة في وجود علاقات دبلوماسية أو اقتصادية مع طهران؛ فالدول قد تدير مصالحها مع الخصوم، لكن الخلل يظهر حين تتحول هذه العلاقة إلى أداة تخفف الضغط الدولي والإقليمي عن مشروع توسعي أضرّ بأمن الخليج واليمن والعراق وسوريا ولبنان.

وتزداد خطورة هذه السياسة حين تجعل الموقف الخليجي من النظام الإيراني منقسمًا في لحظة تحتاج إلى حد أدنى من التماسك؛ إذ يصعب تأسيس اتحاد بين دول لا تتفق على إدانة مشروع يغذي الميليشيات والحروب الأهلية في دول المنطقة للسيطرة على قرارها السياسي.

وتأتي ثانيًا سياسة توظيف الإسلاميين وبعض اليساريين، في المنطقة والعالم، لمهاجمة الجيران والضغط عليهم. فقد تجاوز الأمر حدود التعاطف الفكري إلى صناعة منصات إعلامية وحقوقية وحزبية، وشراء ذمم استُخدمت لإرباك الداخل الخليجي، والطعن في شرعية دوله، وتقديم خصومها كأصوات إصلاح، مع أن كثيرًا منهم امتداد لمشاريع مؤدلجة فاشلة عفا عليها الزمن.

وتكمن خطورة الإسلام السياسي في أنه يتحرك كمشروع حزبي عابر للحدود، يقوم على ولاء تنظيمي، ويستثمر المظلومية والشعارات العامة لاختراق المجتمعات، مع ضعف ظاهر بين قادته في كفاءة الحكم وإدارة الدولة. لذلك فإن توظيفه ضد الجيران لا يهددهم وحدهم، بل يهدد الدولة الخليجية التي تدعمه أيضًا؛ فهو يؤمن نظريًا بفكرة الخلافة، ويتخذ الديمقراطية طريقًا إلى الحكم، ولا يتصالح مع الدولة القائمة على التوريث إلا حين يستطيع توظيفها مرحليًا لمصلحته. ومن يراهن على هذا النوع من التنظيمات الأممية يفتح بابًا يسمح بارتدادها عليه متى تغيّرت موازين القوة.

أما بعض التيارات اليسارية، عربيًا وغربيًا، حين تُستدعى في هذه المعارك، فتأتي خطورتها من قدرتها على منح الاستهداف السياسي غطاءً حقوقيًا وإعلاميًا دوليًا. فهي، في صورتها المؤدلجة، تحرّكها نزعة ثورية ترى في الهدم فضيلة، وإسقاط الشرعيات غاية، والفوضى طريقًا إلى التغيير، بعيدًا عن أي مشروع جاد لبناء المجتمعات أو تقوية اقتصادات الدول. وحين تموّل دولة خليجية هذه الأصوات وتوظفها ضد جيرانها، فهي لا تصنع وعيًا حقوقيًا ولا تفتح بابًا للإصلاح، بل تحوّل الحقوق إلى ورقة ضغط، وتدفع بالملفات الداخلية إلى ساحة التشهير والابتزاز؛ فالإصلاح الذي يولد من خصومة سياسية يضرّ بالنقد الجاد، ويضيّق هامش الحريات، ويجعل كل صوت إصلاحي موضع شك وارتياب. وقد كشفت المواجهة مع نظام الولي الفقيه أن كثيرًا من هذه الأصوات لا يعنيها إصلاح الخليج العربي بقدر ما يعنيها المال، أو التشفي بما يحدث لأهله.

وتأتي ثالثًا سياسة إضعاف البلدان العربية وتفكيكها بحجة الحرب على الإخوان المسلمين. وهي سياسة متناقضة في أصلها؛ لأنها ترفع شعار مواجهة الإسلام السياسي، ثم تصنع على الأرض فراغات تنمو فيها الجماعات المتطرفة وتقتات على الاضطرابات. فمواجهة الإخوان لا تكون بإضعاف الدولة الوطنية، ولا بصناعة سلطات موازية، أو دعم كيانات انفصالية، أو تحويل بلدان بعيدة عن المجال الأمني المباشر إلى ساحات نفوذ وتجارب سياسية.

فقد تعاني الدولة من اختراق حزبي أو فساد أو ضعف في مؤسساتها، غير أن تفكيكها يحوّل الخلل الداخلي إلى فراغ تستثمره القوى المؤدلجة والميليشيات. ومن يدعم الانقسام الجغرافي والعسكري، ويموّل أطرافًا محلية متنازعة، يطيل عمر الفوضى والتشرذم والعنف الأهلي والمآسي الإنسانية. أما تفكيك ثقافة الإخوان داخل المجتمعات، فلا يتحقق بهذه المغامرة السياسية، بل بدول مستقرة، ودعمٍ مشروط بإصلاحات واضحة تقوم على التنمية البشرية والاقتصادية، ومحاربة الفساد والتطرف.

وقد انعكس هذا النهج السياسي سلبًا على أمن دول خليجية وعربية؛ لأن الدول المنقسمة لا تحتفظ بأزماتها داخل حدودها. فالفراغ السياسي يتحول إلى ممر للسلاح والتهريب والتدخلات الأجنبية واللجوء والهجرة غير النظامية. وكل سلطة موازية تنشأ خارج الدولة تستدعي قوى أخرى، وتزيد تعقيد الأزمة. لذلك يرتد العبث بوحدة البلدان العربية على الخليج في البحر والحدود والاقتصاد والأمن.

ولكي لا يتعثر تأسيس الاتحاد الخليجي، لا بد من قواعد سياسية وأمنية ملزمة تضبط العلاقة بين دوله، وتحفظ الثقة المتبادلة بين أعضائه. وفي مقدمة هذه القواعد وقف التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، والامتناع عن العبث بالدول الأخرى خارج الاتحاد، إلا إذا شكّلت خطرًا مباشرًا على الأمن الخليجي، وبقرار جماعي يحدد الهدف والوسيلة وحدود التدخل.

ويحتاج الاتحاد أيضًا إلى وقف الحملات الإعلامية واللجان الإلكترونية التي تُدار لإشاعة الكراهية وتأجيج التحريض. فالإعلام الذي يهدم الثقة بين المجتمعات الخليجية لا يقل خطرًا عن الخلاف السياسي نفسه. أما النقد المشروع، فيقوم على طرح مسؤول بنّاء يسعى إلى إصلاح الخلل، وحماية تماسك المجتمعات، والنهوض بالإنسان والأوطان.

كما يحتاج الاتحاد إلى طاولة حوار جادة تُطرح عليها الخلافات بقدر من الشفافية والصراحة وحسن النوايا، بعيدًا عن المناورات والرسائل غير المباشرة. فالدول التي تريد بناء اتحاد حقيقي لا تؤجل أزماتها حتى تنفجر، ولا تدير خلافاتها عبر الوكلاء والمنابر، ولا تتحول إلى ناقل شكاوى وتقارير سياسية إلى العواصم الغربية ضد جيرانها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.