الفرق بين جماهير النصر السعودي والأهلي المصري ليس فرق تشجيع فقط، بل فرق روح، وفرق طريقة حب، وفرق ثقافة مدينة كاملة داخل المدرجات. ورغم أن الاثنين في النهاية "جمهور كرة"، إلا أن الحقيقة أعمق بكثير، فكل جمهور منهما يشبه بلده، ويشبه الشارع الذي خرج منه، ويشبه اللغة التي يتنفس بها الناس في المقاهي والميادين.
جمهور النصر في السعودية يشبه فكرة "الانتماء الهادئ" الذي لا يحتاج أن يصرخ طوال الوقت ليُثبت نفسه. هو جمهور يعرف معنى الصبر، لأن النصر نفسه مرّ بمراحل كثيرة: فترات ذهبية، ثم سنوات انتظار طويلة، ثم عودة، ثم حماس جديد. جمهور النصر يشجع وكأنه يقول: "أنا هنا، حتى لو لم نكسب اليوم"، وهذه ليست جملة سهلة. في مدرج النصر تشعر أن الجمهور يحب ناديه كحب العائلة، قد يغضب، قد ينتقد، قد يرفع صوته، لكنه لا يترك. تجد فيه نوعًا من الوفاء يشبه الوفاء البدوي القديم، وفاء لا يتغير بسرعة. وحين جاء لاعب مثل رونالدو، لم يكن مجرد لاعب، بل كان كأنه "حلم عالمي" دخل بيتًا عربيًا، فزاد الحضور، وزادت الأضواء، وصار جمهور النصر يعيش حالة مزيج بين الفخر والمتعة، أن ناديه صار على شاشة العالم. لكن تظل روح النصر الأساسية هي الإيمان بالعودة، والإيمان أن الزمن قد يتأخر، لكنه لا ينتهي.
أما جمهور الأهلي، فالحكاية مختلفة تمامًا. جمهور الأهلي لا يشجع ناديه فقط، بل يعيش الأهلي كأنه قضية شخصية، كأنه بيت طفولته، كأنه اسمه الكامل. الأهلي عند المصريين ليس مجرد نادٍ، بل الأهلي حالة اجتماعية. تجده في سائق التاكسي، وفي الموظف، وفي الطالب، وفي عامل المقهى، وفي الجد الذي لا يزال يتحدث عن هدف قديم وكأنه حدث أمس. جمهور الأهلي يشبه القاهرة: مدينة لا تهدأ، مدينة تتكلم بصوت عالٍ، مدينة تتخانق ثم تضحك، مدينة تحب بعنف. الأهلاوي لا يقول لك: "أنا أحب النادي"، بل يقولها بشكل أوضح وأقسى: "أنا الأهلي". وهنا الفرق الكبير، فجمهور الأهلي لا يرى نفسه مشجعًا، بل يرى نفسه جزءًا من الكيان، وجزءًا من التاريخ، وجزءًا من الانتصار والهزيمة. ولذلك حين يخسر الأهلي، لا تشعر أن الناس حزينة فقط، بل تشعر أن البيوت كلها تغيّر مزاجها، كأن البلد كله دخل في صمت ثقيل، ثم في غضب، ثم في نقاش لا ينتهي.
جمهور النصر يملك حلمًا كبيرًا، مشروعًا، وطموحًا متجددًا، ورغبة في المجد. أما جمهور الأهلي، فيملك ذاكرة طويلة جدًا، ممتلئة ببطولات جعلته لا يرضى بسهولة. الأهلي عند جماهيره ليس "ناديًا كبيرًا"، بل فكرة التفوق نفسها. لذلك هم يفرحون ببطولة كأنها حق طبيعي، ويغضبون من خسارة كأنها كسر لهيبة البيت. بينما جمهور النصر أكثر تسامحًا مع فكرة أن الطريق طويل، لأنه عاش سنوات انتظار، فتعلّم كيف يحب وهو ينتظر.
جمهور النصر يشجع بفكرة: "نحن نستحق الأفضل". أما جمهور الأهلي فيشجع بفكرة: "نحن الأفضل، ولا نقبل أقل من ذلك". وهذه الجملة الصغيرة تصنع عالمًا كاملًا من الاختلاف. جمهور النصر اليوم يعيش مرحلة حضور عالمي وإعلامي، يشعر أن ناديه صار واجهة كبرى، وأن العالم ينظر إليه. وهذا يصنع حماسًا جديدًا واندفاعًا واحتفالًا دائمًا بالهوية. أما جمهور الأهلي، فهو جمهور التاريخ الثقيل. يشجع وهو يحمل فوق كتفه أسماء وذكريات وأجيالًا كاملة. الأهلاوي حين يدخل المدرج، يدخل ومعه روح صالح سليم، والخطيب، وأبو تريكة، وبركات، وجيل وراء جيل. يدخل وهو يشعر أن عليه مسؤولية أن يبقى الأهلي كما كان.
النصر الآن يعيش عصرًا من التكوين والضوء والانتشار، كأن النادي يعيد كتابة نفسه من جديد. بينما الأهلي لا يعيد كتابة نفسه، بل يعيش كأنه كتاب قديم مقدس، ممنوع أن تسقط منه صفحة. والأجمل في الموضوع أن كلا الجمهورين، في النهاية، يشبه الإنسان العربي: فجمهور النصر يشبه العربي الذي يحلم أن يصل إلى العالم ويثبت نفسه، وجمهور الأهلي يشبه العربي الذي يعتبر الكبرياء جزءًا من حياته اليومية، ولا يفرط فيه. لكن أكثر ما يلمسني في جمهور الأهلي تحديدًا، أنه جمهور "شعبي" بمعنى الكلمة. تشعر أن الأهلي ليس في الاستاد فقط، بل في الشوارع. وتشعر أن التشجيع عندهم ليس رفاهية، بل وسيلة حياة. بينما جمهور النصر تشعر فيه بنوع من الرقي الهادئ، حبّ فيه وقار، وفيه صبر، وفيه اعتزاز.
وفي النهاية، ليس السؤال من الأقوى، بل من الأكثر صدقًا. والإجابة أن الاثنين صادقان جدًا، لكن كلٌّ بطريقته. جمهور النصر يحب ناديه كمن يحب المستقبل، كمن يرى الحلم أمامه ويركض نحوه. أما جمهور الأهلي فيحب ناديه كمن يحب وطنًا قديمًا، لا يستطيع أن يتخيل نفسه خارجه. وهكذا يصبح الفرق بين جماهير النصر والأهلي هو الفرق بين جمهور يؤمن بالحلم القادم وجمهور يعيش داخل التاريخ، وبين حبٍّ يلمع وحبٍّ يحترق. لكن في النهاية، حين يصرخ النصراوي "عالمي"، وحين يصرخ الأهلاوي "أهلي"، فهما لا يصرخان لأجل كرة فقط، بل يصرخان لأجل شعور واحد عظيم: أن يكون لك شيء تنتمي إليه، شيء يربط قلبك بالعالم.


