منذ تشكيل الكابينة التاسعة لحكومة إقليم كوردستان برئاسة مسرور بارزاني في تموز (يوليو) 2019، دخل الإقليم مرحلة جديدة عنوانها الإدارة الفاعلة وربط السلطة بالخدمة العامة. ففي وقتٍ ما زالت فيه مناطق عراقية عديدة تعاني من تعثر التنفيذ وثقل البيروقراطية، استطاعت كوردستان أن تقدم نموذجًا أكثر حيوية في التخطيط والإنجاز، بالرغم من الضغوط المالية والسياسية المتراكمة.
خلال الأعوام الماضية، شهد الإقليم توسعًا واضحًا في مشاريع الطرق والجسور والبنى التحتية، ولا سيما في أربيل ودهوك والسليمانية ومناطق أخرى. جرى تطوير شبكات المياه والصرف الصحي، وافتتاح طرق استراتيجية تربط المدن بالمنافذ الحدودية والمراكز الاقتصادية، وهي خطوات تنعكس مباشرة على حركة التجارة والاستثمار والتنقل اليومي للمواطنين.
وفي قطاع الطاقة، برز مشروع روناكي بوصفه أحد أهم المشاريع الخدمية الحديثة، بعدما استهدف معالجة أزمة الكهرباء المزمنة عبر تحديث الشبكات وتقليل الهدر ورفع كفاءة التوزيع. المشروع تحوّل إلى خطة عملية بدأت آثارها تظهر تدريجيًا، في وقتٍ ما زالت فيه الكهرباء تمثل إحدى أكثر الأزمات إلحاحًا في العراق منذ عام 2003.
وعلى مستوى الحوكمة والإدارة المالية، جاء مشروع حسابي ليؤسس لمرحلة جديدة من التحول الرقمي، عبر تنظيم الرواتب والمدفوعات إلكترونيًا، وتقليل التعامل النقدي المباشر، وتعزيز الشفافية المالية. مثل هذه الخطوات لا تبدو تقنية فقط، بل تمثل أدوات حقيقية لمواجهة الفساد وترسيخ الإدارة الحديثة.
جانب آخر من تجربة حكومة الإقليم تمثل في الاعتماد على الشركات المحلية والطاقات الداخلية. فقد جرى تنفيذ عدد كبير من المشاريع عبر شركات من إقليم كوردستان، وبأيدٍ عاملة من أبناء الإقليم، وبكوادر هندسية وفنية محلية استطاعت إنجاز مئات المشاريع بكفاءة واضحة. هذا المسار لم يوفر فرص العمل فقط، بل أسهم في بناء خبرات وطنية وتعزيز دورة اقتصادية داخلية أكثر استقرارًا.
هذه التجربة تقدم درسًا مهمًا للعراق كله. فبدلاً من الارتهان المستمر للشركات الخارجية أو المشاريع المتلكئة، تبدو الحاجة ملحة إلى تبني نموذج يعتمد على الشركات العراقية، والمهندس العراقي، والعامل العراقي، مع فتح المجال أمام المنافسة الحقيقية والرقابة الصارمة. بناء الاقتصاد يبدأ من الثقة بالقدرات المحلية، لا من تهميشها.
لو جرى تعميم ما تحقق في كوردستان على بقية المحافظات العراقية، لكان بالإمكان إنجاز آلاف المشاريع المتوقفة، وتوفير مئات آلاف فرص العمل، وتقليل الهدر المالي الذي استنزف الدولة طوال سنوات طويلة. ما يحتاجه العراق ليس نقص الأموال فقط، بل حسن الإدارة، وسرعة القرار، وربط الإنفاق بالإنتاج.
هذه المنجزات لم تأتِ صدفة، بل نتاج رؤية تعتبر أن نجاح الحكومة يُقاس بما يلمسه المواطن في حياته اليومية، لا بعدد التصريحات أو المؤتمرات. لذلك اكتسبت حكومة الإقليم صورة أكثر ارتباطًا بالتنفيذ والعمل الميداني.
لكن مقابل هذا النجاح الداخلي، يبرز خلل واضح في مستوى التمثيل الكوردي داخل بغداد.
العاصمة العراقية ما زالت تشهد حضورًا كرديًا أقل من حجم الاستحقاق السياسي، وأضعف من مستوى التجربة التي راكمها الإقليم خلال العقود الماضية. ففي كثير من الملفات المصيرية، ظهر الصوت الكوردي متفرقًا أو متأخرًا أو غارقًا في الحسابات الضيقة، بينما كانت المرحلة تتطلب موقفًا موحدًا وصلبًا يحمي المكتسبات الدستورية.
الرئيس مسعود بارزاني أكد في مناسبات عديدة أن مستقبل العراق لا يمكن أن يستقر إلا عبر دولة فيدرالية قوية تقوم على التوازن والتوافق والشراكة الحقيقية، لا على الغلبة والإقصاء. هذا الطرح لم يكن موقفًا عابرًا، بل قراءة مبكرة لأزمات العراق المتلاحقة بعد عام 2003.
الدستور العراقي الذي صوّت عليه العراقيون عام 2005 رسم إطارًا واضحًا للعلاقة بين بغداد وأربيل، وأقر النظام الاتحادي وحقوق الأقاليم. ومع ذلك، بقيت عشرات المواد معطلة أو مؤجلة أو خاضعة للتجاذبات السياسية، ومنها ملفات النفط والغاز، والمادة 140، ومجلس الاتحاد، وتوزيع الصلاحيات، والحقوق المالية للإقليم.
تعطيل هذه المواد لا يضر كوردستان وحدها، بل يضرب فكرة الدولة العراقية نفسها، لأن الدولة لا تُدار بالمزاج السياسي، بل بالالتزام بالنصوص الدستورية التي ارتضاها الجميع.
الكورد لم يكونوا يومًا عبئًا على العراق، بل كانوا في مقدمة القوى التي قاومت الدكتاتورية ودفعت ثمنًا باهظًا دفاعًا عن الحرية والتعددية. كما شاركوا بعد عام 2003 في تأسيس النظام السياسي الجديد على قاعدة الشراكة الوطنية.
المرحلة الحالية تحتاج إلى انتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة بناء الدولة. عراق مستقر لا يمكن أن يقوم من دون احترام حقوق جميع مكوناته، ولا من دون شراكة حقيقية يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء لا تابعون.
ما تحقق في كوردستان على مستوى المشاريع والإدارة يحتاج إلى تمثيل سياسي أكثر قوة وحنكة داخل بغداد، كما يحتاج العراق كله إلى الاستفادة من هذه التجربة وتطبيقها على نطاق أوسع، لأن النجاح حين يثبت في جزء من الوطن يمكن أن يتحول إلى مشروع نهضة للوطن كله.
كوردستان تنجز في الداخل، وهذا النجاح يستحق من يواكبه في بغداد، وقرارًا عراقيًا شجاعًا يستنسخ التجارب الناجحة بدل الاستمرار في تدوير الأزمات.


