فكرة التعاون الإقليمي بين دول حوض البحر المتوسط ليست جديدة. فقد وُضعت أسسها بالفعل مع عملية برشلونة عام 1995، التي هدفت إلى إنشاء شراكة أورومتوسطية وتعزيز الروابط السياسية والاقتصادية بين أوروبا وجيرانها في الجنوب والشرق. وتجلّت هذه الفكرة مؤسسيًا لاحقًا من خلال إنشاء "الاتحاد من أجل المتوسط" عام 2008، كإطار متعدد الأطراف لتعزيز التكامل الإقليمي، لا سيما في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتجارة.
غير أن هذه الأطر الواسعة كانت تعاني من ضعف بنيوي واضح: كان حجمها كبيرًا جدًا، ومسيّسًا للغاية، وأقل تركيزًا على المصالح المباشرة لمنطقة شرق المتوسط، وهي المنطقة التي تتركز فيها اليوم أبرز فرص الطاقة والتجارة.
في العقد الأخير تحديدًا، برز واقع جديد. فقد أدّى اكتشاف حقول غاز كبيرة، مثل ليفياثان، تمار، زوهار وأفروديت، إلى إيجاد حوافز للتعاون الإقليمي، إلى جانب مخاطر التنافس والتصعيد. وعلى هذه الخلفية، بدأت تتشكل تحالفات أكثر تركيزًا، أبرزها المحور الثلاثي بين إسرائيل واليونان وقبرص، القائم على مصالح مشتركة في مجالات الطاقة والأمن والاقتصاد. كما أن الاتفاقيات الإقليمية لتصدير الغاز وربط البنى التحتية مع أوروبا تشير إلى أن الأمر لم يعد مجرد فكرة، بل مسار عملي آخذ في التبلور.
الإمكانات الاستراتيجية الحقيقية تكمن في تحويل شرق المتوسط إلى "جسر" بين أوروبا وغرب آسيا. هذا الربط، عبر خطوط أنابيب الغاز، وشبكات الكهرباء الخضراء، ومسارات التجارة عبر السكك الحديدية، قد يعيد تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية ويقلل الاعتماد على مصادر خارجية، وفي الوقت ذاته يمنح دول المنطقة نفوذًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا متزايدًا.
مع ذلك، تبقى التحديات عميقة: نزاعات حدودية، وانعدام الثقة بين الفاعلين، وتأثير القوى الكبرى، كلها عوامل تعيق قيام تحالف إقليمي شامل. لذلك، فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس اتحادًا متوسطيًا كاملاً، بل شبكة من الشراكات التدريجية، في الطاقة والتجارة والأمن، التي قد تتراكم لتشكل إطارًا إقليميًا فعليًا.
الخلاصة أن الرؤية ليست طوباوية بل براغماتية: تحالف قائم على المصالح لا على الأيديولوجيا. وإذا نجحت دول شرق المتوسط في استثمار مواردها وموقعها الجغرافي، فمن الممكن أن تتحول من ساحة توتر إلى محور ربط بين القارات والأسواق والقوى الدولية.


