تُعرف السياسة بأنها "فن الممكن"، وهي مقولة شهيرة تُنسب إلى المستشار الألماني أوتو فون بسمارك، وتعني إدارة الواقع والتكيف مع المعطيات المتاحة، والبحث عن أفضل خيار قابل للتحقيق في ظل قيود معينة، وهي ليست استسلامًا للأمر الواقع، بل إزاحة العوائق وتحقيق المصالح وتحويل المتاح إلى إنجاز فعلي.
وهذا ما يُفترض على أي نظام سياسي اتباعه لأسباب جوهرية، أهمها الحفاظ على الكيان وعدم تعريض حاضر ومستقبل الوطن والسكان للخطر.
ولكن إيران حوّلته إلى فن "غير الممكن"، لتجاوزها الخيارات الممكنة إلى غير الممكنة، وكأنه نظام بلا سياسيين حقيقيين بسبب الأيديولوجيا والتصرف بلا عقل، وغير مدرك وواعٍ لعواقب ما يقوم به.
والمقترح الإيراني الأخير الذي يقضي بتأجيل مناقشات برنامج طهران النووي مقابل إنهاء السيطرة على مضيق هرمز، إذا رفعت الولايات المتحدة الحصار وأنهت الحرب، تناسى أن القضية الأساسية تتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
ووضعت إيران نفسها في وضع حرج ومأزق لم تتصوره قيادتها يومًا ما نتيجة ممارستها الفعلية لفن غير الممكن، والعمل فوق إمكاناتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، والتعامل بثقة عمياء وفق رؤية قاصرة وبأوراق ضغط خاسرة، مما عرضها للعقوبات، ومن بعد ذلك الحرب القائمة منذ صباح يوم السبت 28 شباط (فبراير) 2026، حين أطلقت أميركا عملية الغضب الملحمي "Epic Fury"، وإسرائيل عملية "زئير الأسد"، وكان الرد الإيراني بعملية "الوعد الصادق 4".
وبالعودة إلى البدايات، ومنذ انتصار الثورة، سعت إيران إلى تصديرها وقررت بناء البرنامج النووي للردع، وأقحمت نفسها في حروب مع جيرانها، ودخلت سباق تسلح عماده الصواريخ والمسيرات، وكونت الأذرع والميليشيات الخارجة عن القانون والنظام في بعض الدول، وتدخلت في شؤون الدول الأخرى، وقلبت بالفعل أنظمة الحكم في بعضها، وخصوصًا الدول العربية الهشة، وسيطرت فيها على القرار بقوة السلاح، وبنت وتبنت محور المقاومة الذي بسببه دُمِّرت غزة عن بكرة أبيها.
ورعت إيران الإرهاب، وانخرطت في تجارة المخدرات والممنوعات والتهريب وغسيل الأموال وبناء أسطول الظل.
وآخر مسمار دقته إيران في نعشها هو وضع مضيق هرمز كورقة ضغط على العالم، والتهديد بإغلاقه ثم إغلاقه فعليًا، وقطع الإمدادات العالمية من النفط والغاز والبتروكيماويات، مما نتج عنه حصارها عسكريًا واقتصاديًا من قبل الولايات المتحدة الأميركية.
ومن المفارقات العجيبة ادعاء إيران انتصارها بعد أربعين يومًا مرت فيها إيران بحالة حرب قاسية، ووقت عصيب، وإعصار من الاستهدافات التدميرية والمميتة من قبل الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، بما في ذلك مقتل رأس النظام الإيراني علي خامنئي، ومع ذلك كان الرد الإيراني، بالرغم من قوته، غير مؤثر، نظرًا للقدرات الدفاعية لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.
وشمل ردها على هذه الهجمات قيامها بالاعتداء السافر على دول الجوار في الخليج العربي بآلاف الصواريخ والمسيرات التي صنعتها وطورتها على مدى ثلاثة عقود، واستهدفت بها الأعيان المدنية كالمطارات والفنادق والمنشآت الاقتصادية، وخصوصًا البترولية منها، في محاولة يائسة للتأثير على قدرات دول الخليج العربي التي كانت جاهزة دفاعيًا عبر توفر أنظمة دفاع جوي اعتراضية وأرضية متميزة أبهرت العالم.
وبسبب الممارسات الإيرانية وتحولها إلى مصدر تهديد إرهابي وتخريبي إقليميًا وعالميًا، واتضاح نواياها العدوانية تجاه دول الجوار، فقدت إيران ميزة سياسية ودبلوماسية واقتصادية ومصدر تمويل بديلًا بسبب العقوبات الأميركية، عندما وضعت نفسها مجددًا في حالة عداء مع دول الخليج العربي.
وبعد حرق إيران لكافة أوراقها التي كانت تراهن عليها، وآخرها إغلاق وتلغيم مضيق هرمز، وإيقاف إمدادات العالم من النفط والغاز والبتروكيماويات، وتأثير ذلك على أمن واستقرار واقتصاد العالم، وتأثر العديد من المجالات والقطاعات التجارية والصناعية والصحية والزراعية عالميًا، وتهديد سلامة الملاحة الدولية، واستهداف ناقلات النفط بشكل مباشر، تبقى في يد إيران ورقتان من "فن الممكن وفن غير الممكن":
إما الإصرار على استمرار الحرب، أو الاستسلام غير المشروط بعد تعثر المفاوضات وتعرضها لهجمات أقسى وأوسع.
وقرار استمرار الحرب له أبعاده وعواقبه وتبعاته، وقرار الاستسلام حسب الشروط الأميركية له أبعاده وعواقبه وتبعاته، وكلاهما "مُرٌّ مميت" في حال تعثر المفاوضات الجارية ووصولها إلى طريق مسدود مع الولايات المتحدة، وبالذات ملف تسليم اليورانيوم المخصب.
ويُلاحظ ازدياد الحشد الأميركي مع تواجد أربع حاملات طائرات حاليًا بجاهزية تامة، ويتواجد معها مجموعاتها القتالية وسفن المشاة البحرية، بالإضافة إلى قوة جوية هائلة بأكثر من 200 طائرة مقاتلة.
وهذا يوحي بوجود تحضير كبير للعودة إلى المواجهة مع إيران ولكن بحجم أكبر، وينذر بتجدد العمليات بشكل أقوى من السابق.
فهل سنشهد بعد تجدد العمليات استسلامًا إيرانيًا غير مشروط يتم فيه إخضاع القرار السيادي الإيراني وتفكيك القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، وعودة حرية الملاحة في مضيق هرمز، واستمرارًا للعقوبات؟
أو يكون هناك اكتساح عسكري أميركي وهزيمة إيرانية ساحقة على أرض الميدان، يليه تغيير جذري في نظام الحكم بعد اجتثاث نظام ولاية الفقيه والحرس الثوري وأذرعه في الداخل والخارج، والواضح أن الولايات المتحدة لن تتهاون في هذا الأمر بعد استنفاذ كافة الفرص التفاوضية.
فماذا لو اتبعت إيران فن الممكن منذ بداية ثورتها ووضعت رؤية إصلاحية وتنموية رائدة، واتبعت سياسة حسن الجوار والتعاون، ونهجت منهجًا معتدلًا!
لأصبحت منارةً حضارية ودولةً ذات نهضة تنموية مميزة، وثقلًا سياسيًا ومركزًا عالميًا للتجارة والصناعة والتقنية، وشريكًا موثوقًا اقتصاديًا "تجاريًا وصناعيًا وزراعيًا"، وملاذًا آمنًا للاستثمار، وواجهةً رياضية عالمية، ووجهةً عالمية لطلب العلم والتعلم، ومقصدًا طبيًا واستشفائيًا، ومزارًا سياحيًا على غرار جيرانها دول الخليج العربي.


