: آخر تحديث

هل أصبح المرشد ناطقًا باسم الحرس الثوري؟

2
2
3

في لحظة تاريخية فارقة تكشف عمق التصدع البنيوي في طهران، خرج خطاب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ليؤكد أن النظام الإيراني لم يعد يمتلك رؤية للمستقبل، بل يعيش حالة من "الإنكار الاستراتيجي" المُطبق الذي يتجاهل كل الحقائق على الأرض.

هذا الخطاب لم يكن موجَّهًا للجماهير الإيرانية التي تطحنها الأزمات بقدر ما كان محاولة يائسة لترميم واجهة تصدعت أركانها تمامًا، حيث لم تعد الشعارات الأيديولوجية قادرة على حجب شمس الحقيقة عن المواطن الذي يرى بوضوح كيف تحولت مدخراته وأحلامه إلى وقود لصراعات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل.

إن التدقيق في مفردات هذا الخطاب يكشف حقيقة أكثر دموية وصدمة: لقد اختفى تمامًا أي أثر لـ "الفقيه" و"العالم"، أو للبعد الروحي الذي طالما تذرع به النظام لشرعنة وجوده.

القلم الذي كتب هذا النص ليس قلم مرشد ديني يحاول احتواء المجتمع أو مداواة جراحه، بل هو قلم عسكري بامتياز. لغة الخطاب خالية تمامًا من مفردات الرحمة أو الحكمة أو القيم الإنسانية، ومستبدلة بالكامل بـ "لغة الثكنات"؛ حيث تسيطر مصطلحات التحريض، والبحث عن "الخونة" و"العملاء" في كل زاوية.

هذا الفراغ الروحي والفقهي في الخطاب هو "دليل إدانة" قطعي على أن المؤسسة الدينية قد تم تفريغها من جوهرها، وأصبحت مجرد واجهة فارغة يتحدث من خلفها قادة الحرس الثوري بلغتهم الصدامية.

وهنا تبرز تساؤلات وجودية تفرض نفسها بقوة على المشهد: هل هذا الخطاب خرج فعلًا من لسان المرشد؟ ولماذا يختبئ في الظل تاركًا "الكلمات" وحدها بلا حضور؟

إن الغياب المريب للمرشد عن الواجهة، وتواري شخصه عن الأنظار في لحظة تتطلب ثبات القائد، يفتح الباب أمام شكوك مشروعة حول حالته وحقيقة وجوده. هل ما زال المرشد يملك زمام أمره أم أنه تحول إلى "أيقونة غائبة" يتم توظيفها كواجهة لصراع أجنحة تغلبت فيه القبضة العسكرية على المرجعية الدينية والمؤسسة السياسية؟

هذا الغياب يضعنا أمام تساؤل أخطر: هل نحن أمام نظام يُدار بواسطة "المرشد" أم بواسطة "منظومة أمنية" أعدت خطابًا ليُقرأ باسم رجل قد لا يكون في وضع يسمح له حتى بالرفض أو الاختيار؟

يؤكد هذا الانحراف اللغوي والسلوكي أن الدولة الإيرانية اليوم لم تعد تُدار من مؤسسات دستورية أو مرجعيات دينية، بل أصبحت رهينة لـ "مطبخ أمني" يديره الحرس الثوري الذي اختطف القرار السياسي والاقتصادي.

لقد تحول المرشد، أو "من يمثله إن كان حيًّا أو في وضع صحي مستقر"، من قائد أيديولوجي إلى ناطق رسمي باسم مصالح الحرس، وواجهة شكلية تضفي شرعية زائفة على أجنداته العسكرية؛ وهو استلاب هيكلي يعني أن إيران فقدت توازنها السياسي بالكامل، فلا وجود لقرار سياسي مستقل، بل توجيهات أمنية تفرض نفسها على الجميع لتطويع الدين لخدمة الميدان.

وعندما يُطرح هذا الخطاب "المجهول المصدر والروح" وسط أوهام "الشيطان الأكبر"، وفي وقت يئن فيه الإيرانيون من دمار الحرب وانهيار البلاد ووطأة الفقر، فإنه يبعث برسالة واضحة بأن "البقاء للميليشيا وليس للدولة".

هذا الاختطاف جعل من المؤسسة الدينية في وضع لا تُحسد عليه، حيث أصبحت غطاءً لعمليات التوغل والقمع والتصفيات، بينما يتفرغ الحرس الثوري للسيطرة على مفاصل الدولة، متجاهلًا أن شرعيته قد تبخرت مع أول رصاصة أطلقت على متظاهر يطالب بحقه في العيش الكريم.

أما القاصمة التي يتجاهلها النظام فهي المقارنة الحتمية التي يجريها المواطن الإيراني يوميًا بين واقعه المرير وبين جيرانه في دول الخليج العربي، الذين ينجحون في بناء دول طبيعية تقوم على التنمية والاستقرار واحترام الإنسان، بينما يصر النظام في طهران على التمسك بعقيدة ثورية تجاوزها الزمن.

هذا الفارق الجوهري هو ما يجعل خطاب المرشد يبدو كـ "معزوفة من الماضي" لا تثير إلا الحسرة لدى جيل يرى بلاده تتحول إلى دولة منهارة ومنبوذة.

إن استمرار النظام في تجاهل تداعيات الحرب وصرخات الداخل، إلى جانب الاعتماد على آلة القمع، هو رهان انتحاري.

يمكننا القول إن هذا الخطاب هو آخر مسمار في نعش الشرعية الثورية، فالعالم لم يعد يكترث بالزخارف اللغوية والشعارات المدغدغة للعواطف، بل يراقب تفكك البنية الداخلية لنظام أصبح يُدار بعقلية القلعة المحاصرة.

وإذا لم يدرك القابعون في أروقة السلطة أنهم لم يعودوا يحكمون، بل يديرون أزمة وجودية، فإن الخريف السياسي للنظام قد يكون أقرب بكثير مما يتصورون.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.