: آخر تحديث

عندما تنهار الفئات: الخلط والسلطة وسياسات التسمية

3
4
4

في صميم هذه الإشكالية يقع إخفاق تحليلي متكرر: الدمج في الخطاب العام بين "اليهودي" و"الصهيوني" و"الإسرائيلي". هذا الخلط ليس عرضيًا، ولا يخدم غرضًا واحدًا. بالنسبة إلى الدولة الإسرائيلية ومؤيديها، يعمل بوصفه طمسًا وقائيًا، يُعيد صياغة نقد السياسة الحكومية على أنه عداء للمواطنين اليهود بوصفهم يهودًا. أما بالنسبة إلى بعض تيارات اليمين الأوروبي والأميركي، فقد يعمل الدمج ذاته بالاتجاه المعاكس، إذ يسمح لنقد إسرائيل بالانزلاق نحو صور نمطية حضارية أقدم، أو نظريات مؤامرة حول القوة اليهودية. هذا التداخل مقلق، إذ قد تتشابه الاستنتاجات أحيانًا، لكن المنطقين الكامنين يبقيان مختلفين جوهريًا، والتعامل معهما كأنهما متكافئان هو بحد ذاته خلل تصنيفي.

يطرح هذا السؤال المحوري: هل نشهد تحولاً حقيقيًا مدفوعًا بوعي متزايد بالتاريخ الفلسطيني والتهجير المستمر، أم إعادة صياغة لروايات قديمة في سجل سياسي جديد؟ الجواب على الأرجح كلاهما، والتمييز بينهما مهم. بات بعض تيارات اليمين المعاصر أكثر تشككًا في التدخل الخارجي، وأكثر انتقادًا للدعم غير المشروط لإسرائيل، وأكثر حساسية لما يجري في غزة والضفة الغربية. قد ينتج عن ذلك مواقف تتقاطع ظاهريًا مع الدفاع عن القضية الفلسطينية. غير أن التوافق الظاهري ليس إعادة توجيه أخلاقي، والخلط بينهما يُعيق بالضبط التحليل الذي تستدعيه هذه اللحظة.

السؤال الأكثر إلحاحًا ليس ما إذا كانت هذه الفئات تتباين، فهي تتباين فعلاً، بل لماذا يتصاعد الضغط في هذه اللحظة تحديدًا نحو دمجها، ولمصلحة من. هذا التحول ليس محايدًا، فهو يخدم مصالح سياسية محددة ويحمل مخاطر لا تتوزع بالتساوي، وتقع تداعياتها أولاً على الفلسطينيين.

بالنسبة إلى الفلسطينيين، يكمن الخطر في الارتباط. حين يُصاغ نقد إسرائيل عبر لغة وأطر مفاهيمية لسياسيين وحركات لها تاريخ في العداء لليهود، يصبح من السهل إعادة تعريف هذا النقد على أنه شيء آخر. لا يحتاج الاتهام إلى الدقة كي يكون فعّالاً، يكفي أن يكون مقنعًا بما يكفي لتحويل أرضية النقاش. هذه الديناميكية لا تقتصر على سياق واحد. في إيطاليا، جمعت شخصيات كجورجيا ميلوني وماتيو سالفيني بين دعم صريح لإسرائيل وسياسة داخلية قائمة على قومية إقصائية، وهو مزيج ليس متناقضًا بل منسجم، لأن كليهما ينهل من منطق حضاري مشترك. في الوقت ذاته، حين تتقاطع مواقف داعمة للفلسطينيين، ولو بصورة غير مباشرة، مع بيئات أو شخصيات تحمل بقايا صور نمطية معادية لليهود قديمة، تتلوث الأرضية. ليس الحجة هي ما يُحكم عليه، بل الارتباط. في مثل هذه الظروف، يستطيع المعارضون إعادة تصوير الموقف بأسره على أنه مشبوه، لا بسبب ما يدعو إليه، بل بسبب من يدعو إليه.

لهذا السبب بالضبط كان التمييز بالغ الأهمية على مدى سنوات طويلة. ميّز الوعي السياسي الفلسطيني تاريخيًا بين اليهود بوصفهم مجتمعًا تاريخيًا ودينيًا، والصهيونية بوصفها مشروعًا سياسيًا، وإسرائيل بوصفها دولة. كانت الجماعات اليهودية تعيش في فلسطين والعالم العربي منذ قرون، كجزء من النسيج الاجتماعي للمنطقة، قبل بروز الصهيونية السياسية الحديثة بزمن طويل. لم يقتصر الدعم للصهيونية على اليهود قط، فقد أسهمت التيارات المسيحية الصهيونية في أوروبا في تهيئة الشروط السياسية التي أتاحت المشروع، مما يجعل الخلط بين الصهيونية واليهودية خطأً ليس تحليليًا فحسب، بل تاريخيًا أيضًا.

إن انهيار هذه التمييزات اليوم يعني محو ذلك التاريخ وإضعاف وضوح الحجة ذاتها. فهو ينقل الاهتمام من بنى السلطة إلى الهويات، ومن السياسة الحكومية إلى الإسناد الجماعي. النكبة في صميم هذه المناورة: ليس فقط بوصفها حدثًا تاريخيًا، بل بوصفها قطيعة تأسيسية لا تزال تُهيكل التهجير الفلسطيني، وتُهمَّش منهجيًا أو تُعاد صياغتها في الخطاب العام. حين يُعاد اختزال الحجة في مستوى الهوية، يصبح رفضها وتشويهها وتشكيكها أيسر بكثير.

تظل الترسبات حاضرة. في أجزاء واسعة من الخطاب المعاصر، لا يزال الحديث يحمل إطارًا حضاريًا، وريبة كامنة من الأقليات، وميلاً إلى تشخيص مسائل هي بطبيعتها بنيوية، بتحديد المشكلة في شعب بدلاً من مشروع دولة. هنا يصبح الخلط أشد خطورة: يتشابك نقد البنى السياسية مع روايات الهوية الجماعية، مُعيدًا إنتاج بالضبط الانزلاق الذي تسعى هذه الحجة إلى تفكيكه.

تسري المتطلبات ذاتها للدقة على الصعيد التاريخي. صحيح أن معاداة السامية الحديثة ذات الطابع العنصري نشأت في أوروبا ولم تكن في العالم العربي بالشكل نفسه، وأن الجماعات اليهودية في المنطقة عاشت في أغلب الأحيان بأمان أكبر مقارنةً بأوروبا. غير أن العلاقات لم تكن متناغمة على الدوام، وأدخل القرن العشرون قطائع حقيقية: حوادث عنف وتوترات وتهجير قسري تشكّلت في سياق الاستعمار وصعود القوميات الإثنية والصراع في فلسطين. تقديم ذلك كله بوصفه تحولاً تاريخيًا معقدًا ذا أسباب محددة وتطورات داخلية هو أكثر دفاعًا وأكثر دقةً من وصفه قطيعة مطلقة.

الخلاصة ليست مجرد نقد للتناقض، بل رصد لزعزعة أعمق في الخطاب ذاته. حين تنهار الفئات، تتبدد المساءلة: تحتمي الدول خلف الشعوب، وتُحمَّل الشعوب مسؤولية الدول. يجد التحيز قنوات جديدة تحديدًا لأن الحدود المفاهيمية قد تآكلت. يخاطر الفلسطينيون واليهود على حد سواء بأن يكونوا أدوات في يد غيرهم: الأولون بوصفهم قضية تضفي شرعية على عداوات قديمة، والآخرون بوصفهم درعًا يصرف النقد المشروع.

إنَّ الحفاظ على هذه التمييزات ليس مسألة بلاغة أو تموضع سياسي. إنه الشرط الأدنى لكي يبقى نقد دولة ما نقدًا لدولة، لا إلى شيء أقدم، وأقل دقة، وأكثر خطورة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.