: آخر تحديث

كلّنا أبناء تسعة: ما قبل الاسم وما بعد الميلاد

7
3
6

قبل أن يُنادى الإنسان باسمه، وقبل أن يُسجَّل ميلاده في دفاتر الحياة، كان هناك زمنٌ صامت، زمنٌ لا تُسجَّل فيه الفوارق، ولا تُرفَع فيه رايات الانتماء، ولا تُصاغ فيه حدودٌ بين "أنا" و"الآخر". زمنٌ لا يعرف سوى نبضٍ واحد، يتكرّر في جسدٍ لم يختر اسمه بعد، ولم تُكتب له سيرة، ولم تُحدَّد له ملامح المصير. هناك، في العتمة التي تشبه النور، في ذلك الاحتواء الأول، كنّا جميعًا متشابهين حدّ النقاء، لا لغة تُميّز، ولا طبقة تُفاضل، ولا فكرة تُقصي، حيث كنّا إنسانًا خالصًا قبل أن نُصبح "أسماءً" تتناسل منها الحكايات، وتتشعّب عبرها الطرق. فكلّنا أبناء تسعة، تسعة أشهرٍ لا تُعلّمنا فقط كيف نولد، بل كيف نتساوى، فتختصر أعظم درسٍ أخلاقيٍّ في الوجود، وهو أن البداية واحدة، مهما اختلفت النهايات.

لكن ما إن نخرج إلى ما بعد الميلاد، حتى يبدأ العالم في إعادة تشكيلنا، حيث يمنحنا أسماء، ويُحيطنا بتعريفات، ويضعنا داخل دوائر لا تنتهي، فهذه بيئتك، وهذا وطنك، وهذه لغتك، وهذه أفكارك، وهذه حدودك، ومن هنا يبدأ التباعد. لا لأننا خُلقنا مختلفين، بل لأننا تعلّمنا الاختلاف كما يُتعلّم أي شيءٍ آخر. فننشأ ونحن نظن أن الفروق جوهر، وأن التصنيفات قدر، وأن ما نُلقَّنه من تقسيمات هو الحقيقة النهائية، لا أحد أشكالها. فننسى أن ما قبل الاسم كان أصدق من كل تعريف، وأن ما قبل الميلاد كان أعمق من كل توصيف.

فكلّنا أبناء تسعة، لكن بعضنا أفرط في التمسّك بما بعد الميلاد، حتى نسي ما قبله. فنسي أن الاسم ليس أكثر من علامة، وأن ما نُحيط به أنفسنا من توصيفات ليس إلا طبقاتٍ طارئة، وأن الإنسان أكبر من كل ما يُقال عنه. فنسي أن الكِبر وهمٌ لا يليق ببدايةٍ متواضعة، وأن الغرور انقطاعٌ عن أصلٍ كان فيه ضعيفًا لا يملك من أمره شيئًا. ونسي أن ذاكرة الجسد تحتفظ دائمًا بالحقيقة الأولى، وبأنه كان يومًا بلا فوارق، بلا ادّعاء، بلا حدود.

وفي هذا النسيان تبدأ المآسي، حين يعلو الاسم على الإنسان، وتضيق المعاني بدل أن تتّسع، ويتحوّل الانتماء من جسرٍ إلى جدار، ومن رابطٍ إلى وقود خصام، وحين نُقاس بما نحمله من عناوين لا بما نحمله من قيم، وحين يصبح الاختلاف سببًا للتنافر لا مساحةً للتكامل.

لكن، هل يمكن العودة إلى ما قبل الاسم؟ وهل نستطيع أن نرى بعضنا كما كنّا، لا كما صرنا؟ فربما لا نستطيع أن نعود زمنًا، لكننا نستطيع أن نستعيد وعيًا، وأن نتذكّر أن الإنسان، في جوهره، لا يُختزل في شهادة ميلاد، ولا يُحدّ في تعريف، ولا يُحاصر في قالب. وبأن نرى في الآخر امتدادًا لرحلةٍ بدأناها جميعًا من النقطة ذاتها، وأن نخفّف من ثقل المسميات، ونمنح الإنسان فرصة أن يكون إنسانًا.

فكلّنا أبناء تسعة، فلماذا نُصرّ على أن نكون أبناء فروق؟ لماذا نُرهق أنفسنا بمقارناتٍ لا تُضيف، وبصراعاتٍ لا تُثمر، وبأحكامٍ تُفقدنا صفاءنا الأول؟ ولماذا ننسى أن أعظم ما في الإنسان، ليس اسمه، ولا ميلاده، بل إنسانيته؟ وإن العودة إلى تلك الحقيقة البسيطة، ليست دعوةً إلى إلغاء ما بعد الميلاد، بل إلى تهذيبه، وبأن يكون الاسم وسيلة تعريف لا أداة تفريق، وأن يكون الانتماء مساحة احتواء لا سببًا للإقصاء، وأن نحمل ما ننتمي إليه باعتزاز، دون أن نحمله فوق الآخرين.

فالإنسان لا يُقاس من أين أتى، بل كيف يكون، ولا بما يُقال عنه، بل بما يتركه من أثر، ولا بما يحمله من اسم، بل بما يمنحه من معنى. فكلّنا أبناء تسعة، ما قبل الاسم وما بعد الميلاد، وتلك ليست جملة عابرة، بل مرآةٌ صادقة تُعيدنا إلى أصلنا حين نبتعد، وتذكّرنا بأننا، مهما اختلفنا، نحمل في داخلنا بدايةً واحدة، بدايةً لو وعيناها، لخفّ ضجيج الفروق، وارتفع صوت الإنسان.

وهكذا نكتشف أن الرحلة الحقيقية ليست في أن نُعرّف أنفسنا أكثر، بل في أن نُبقي إنسانيتنا أعلى من كل تعريف، فما قبل الاسم حقيقة، وما بعد الميلاد اختبار.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.