: آخر تحديث

إيران من كف الخميني إلى كف ترامب

4
4
5

ليس هناك من شك بأن إيران، ومنذ أن أصبحت أسيرة في قبضة رجال الدين، لم تعد إيران التي ألفها العالم في العصر الحديث، إذ أصبحت وكأنها من بقايا عصور الاستبداد الديني في أوروبا، ومع كل تلك المساعي التي بذلها مفكرو وقادة الحكم الديني السائد من أجل إضفاء شيء من المظاهر الديمقراطية لتبدو وكأنها معاصرة للعصر الحديث، إلا أن مشاهد بتر الأصابع وسمل العيون ورجم النساء والإعدامات أمام الملأ، وعمليات التعذيب في السجون والنشاطات الإرهابية في بلدان المنطقة والعالم، أثبتت أن المعاصرة المزعومة محض هراء وكلام في شبك.

ولأن إقصاء المنطق واستغفال العقل ركيزتان يظن أنهما ضروريتان في العصر الحديث لكل حكم قائم على الدين، فإن الذي يحدث في إيران منذ أكثر من أربعة عقود لا يمكن أن يفسر بغير ذلك، ولا سيما من حيث سعي الحكم الديني المسيس لفرض إملاءاته على المنطقة والعالم، فهو بعدم تخليه عن تدخلاته في دول المنطقة وعبثه بأمنها وعدم وضعه أي اعتبار لسياداتها الوطنية، وكذلك بإغلاقه لمضيق هرمز وجعل العالم رهنًا لسياساته، قد أعطى ما يكفي من الأدلة لكونه لا ينتمي إلى هذا العصر.

ومع كل الذي قيل وكتب عن تيار الاعتدال والإصلاح، إلا إنه، وفي أفضل الأحوال، إن دل على شيء فإنه لا يعدو كونه أكثر من بداية مشوهة وممسوخة وفاشلة لعهد النهضة في إيران فيما لو قمنا بمقارنتها بعصر النهضة الأوروبي الذي أعقب الاستبداد الكنسي، وهذا لوحده يدل على أن جمهورية الخميني ليست إلا كالنسبة الثابتة، وأن كل من ينتظر تغييرًا فيها باتجاه اعتدال يؤهلها للاندماج مع المجتمع الدولي، فإنه سيجد نفسه ينتظر إلى جانب غودو صموئيل بيكيت!

عندما رأى العالم كله ما جرى وحدث لإيران بعد 28 شباط (فبراير) 2026 من دمار وخراب، في وقت لم تكن قبل ذلك في وضع جيد لأنها كانت ما زالت تلعق جراحها مما جرى لها في حرب الـ12 يومًا، فإنَّ التصور الذي كان سائدًا بأن بقايا جمهورية الخميني وجهاز حرسه الإرهابي سوف يتصرفان بشيء من المنطق والحكمة ويعملان كل ما من شأنه إسدال الستار على العهد الظلامي الذي بدأ بفرض حكم ولاية الفقيه، والتمهيد لعهد جديد، لكن هذا التصور كان صحيحًا لو كان في أي بلد آخر يحكمه المنطق والعقل، وليس في بلد تحكمه زمر ترى نفسها ظلاً للسماء وأن الحق معها دائمًا.

من دون شك فإنه، وبالرغم مما يدعيه ويزعمه بقايا جمهورية الخميني من كون الشعب الإيراني يقف إلى جانبهم، لكن لا يمكن أبدًا تجاهل ما حدث ويحدث له تحت نير وجور وإذلال هذه الجمهورية الغريبة شكلاً ومضمونًا، ولا سيما من حيث استغلاله بالعامل الديني، وقد صدق غيفارا عندما قال: "إن أبشع استغلال للإنسان هو استغلاله باسم الدين"، وهذا ما يحدث فعلاً في إيران، حيث وبعد 47 عامًا من هذا الحكم الذي كانت فاتحته تبشير الخميني للشعب بالحرية والرخاء ومنح دور للفقراء وتوزيع عائدات البترول عليهم، وتأرجحه حاليًا على كف عفريت اسمه دونالد ترامب، فإن مصيره يبدو على الأغلب غامضًا ومجهولاً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.