رُهاب الزمن، أو "الكرونوفوبيا"، مصطلح مشتق من اليونانية: كرونوس (الزمن) وفوبوس (الخوف). إنه الخوف من مرور الوقت، أو كما يُقال: الخوف من الزمن لأنه لا يفعل سوى أن يمضي. تؤرقنا حقيقة أن "الزمن يهرب"، وأن الحياة نفسها تتسرّب من بين أيدينا. في مجتمع لا يُحسن التعايش مع فكرة الزوال، يتولّد الحنين والقلق والانشغال الدائم، وربما - في العمق - الخوف من النهاية، من فنائنا الشخصي.
في زمن التوقعات المستحيلة والمقارنات المستمرة مع حياة الآخرين، يتضخم الذعر من الشيخوخة والموت. وإذا كانت مجتمعاتنا بطبيعتها مصابةً برهاب الزمن، فهل الخوف من مرور الوقت هو في جوهره خوفٌ من الموت؟ يبدو أن ما يختبئ خلف الكرونوفوبيا هو بالفعل رهاب الموت. فالإحساس بأن كل شيء يسير بسرعةٍ مفرطةٍ ليس سوى وجهٍ آخر لقلقٍ أعمق: أن الزمن يقودنا حتمًا نحو النهاية.
ومع ذلك، لا يتطابق الخوف من الشيخوخة تمامًا مع الخوف من الموت. فثمة من لا يخشى الموت بقدر ما يخشى أن يشيخ "بشكل سيئ". هنا يتداخل البعد الاجتماعي: الخوف من فقدان الجاذبية أو القدرة أو المكانة في عالمٍ يقدّس الإنتاجية والشباب. في مجتمعٍ تتمحور فيه الحياة حول العمل، قد يُنظر إلى التقاعد لا كفرصةٍ للراحة أو التأمل، بل كإقصاءٍ من "العالم المنتج". ومن ثمّ يصبح التقدم في العمر مرادفًا للتهميش.
يرتبط ذلك أيضًا بالخوف من "الأوقات الميتة". نتجنب الفراغ والملل والراحة، وكأن التوقف ذاته خطر ينبغي الفرار منه. نخشى "إضاعة الوقت"، لكن قلّما نتساءل: ما معنى أن نضيّعه؟ في ثقافاتٍ أخرى، الجلوس لمشاهدة الغروب فعلٌ ممتلئٌ بالمعنى. أما في مدننا، فنادرًا ما نستخدم الفضاء إلا للاستهلاك أو العمل. حتى المشي بلا هدفٍ قد يُعد ترفًا غير مشروع. ومن هنا ظهرت "اقتصاديات الفضة" التي تحوّل الشيخوخة إلى سوقٍ جديدةٍ، فيما يظل الخوف من الفناء - المتجذر في الطبيعة البشرية - حاضرًا خلف كل ذلك.
نعيش اليوم ما يمكن تسميته "مرض الزمن": الإحساس الدائم بأن الوقت لا يكفي، بالرغم من أن ساعات العمل أقل مما كانت عليه قبل عقود. القلق منتشر، والشعور بالتأخر عن كل شيء يكاد يكون جماعيًّا. المفارقة أن المشكلة ليست في الندرة، بل في الوفرة: وفرة الخيارات، وفرة الإمكانات، وفرة ما يمكن أن نفعله أو نكونه. ومع كل خيارٍ لا نختاره، يتسلل شعورٌ بأننا نفوّت شيئًا.
تزيد التكنولوجيا من هذا التشظي. الإشعارات المتلاحقة، والاتصال المستمر، والتمرير اللانهائي في الشاشات، كلها تخلق حاضرًا لا ينتهي. لا توجد بدايات واضحة ولا نهايات حاسمة، فيصعب على الذاكرة تنظيم الزمن. وهكذا يبدو أن السنوات تمر أسرع، لأننا نفتقد المحطات الفاصلة التي كانت تحدد الإيقاع: الطقوس، المواسم، لحظات الانتقال بين المراحل العمرية.
حتى في العمل تتجلى المفارقة. قد يكون العمل في الماضي أكثر مشقة، لكنه كان يمنح صاحبه سيادةً نسبيةً على وقته. أما اليوم، فبالرغم من قصر ساعات العمل، نحن متاحون على مدار الساعة، نحمل أجهزةً تتيح لأي شخص الوصول إلينا في أي لحظة. لقد أصبحنا تحت رحمة الرسائل والمكالمات، وكأن الزمن لم يعد ملكنا.
من هنا برز مفهوم "فقر الوقت"، أي العجز عن امتلاك وقتٍ كافٍ للحياة خارج العمل. ويتصل ذلك بتنظيمٍ اجتماعيٍّ لا يراعي احتياجات البشر الفعلية: جداول عملٍ لا تنسجم مع تربية الأطفال، ولا مع الإيقاعات البيولوجية المختلفة للأفراد. وبالرغم من أن التكنولوجيا أثبتت إمكانية المرونة - كما حدث خلال الجائحة - فإن كثيرًا من المؤسسات تراجعت عن منح العاملين سيادةً أكبر على أوقاتهم.
الحديث عن "الحق في الوقت" يبدو غريبًا، كأننا نتحدث عن الحق في الهواء. لكن الحياة في جوهرها ليست سوى وقتٍ معيشٍ. من يملك وقتًا لعائلته وأصدقائه واهتماماته يكون أكثر سعادة، بل وأكثر إنتاجية أيضًا. تاريخ الحركات العمالية كان، إلى حدٍ كبيرٍ، صراعًا من أجل التحرر الزمني: تقليص ساعات العمل وانتزاع حق الراحة. كما أن تاريخ التكنولوجيا يمكن قراءته بوصفه محاولةً دائمةً لتوفير الجهد والوقت.
ومع ذلك، نجد أنفسنا اليوم عالقين بين حنينٍ إلى ماضٍ مثالي - قد لا يكون قد عِيش أصلًا - وخوفٍ من مستقبلٍ يبدو قاتمًا أو مستحيل التخيل. حين يعجز الخيال عن تصور بديلٍ أفضل، يصبح الماضي الملاذ الوحيد.
في أصله، كان الحنين يعني الشوق إلى الوطن، إلى مكانٍ يمكن العودة إليه. أما الزمن فلا عودة إليه. لذا فإن الحنين إلى زمنٍ مضى ينطوي على مفارقة: رغبة في استعادة ما لا يُستعاد. الحنين "الاسترجاعي" الذي يسعى إلى إعادة الماضي كما كان، وهمٌ مستحيل. أما الحنين "التأملي" - كما عند مارسيل بروست - فلا يهدف إلى العودة، بل إلى إعادة عيش اللحظات وربطها بالحاضر شعوريًّا.
هنا تكمن مفارقةٌ جميلةٌ: الحنين يحمل لذةً ممزوجةً بالألم. إنه يوجع لأنه يذكّرنا بما مضى، لكنه يُسعد لأنه يثبت أننا عشنا. أن لنا ماضيًا، وأننا اختبرنا لحظاتٍ تستحق الاستعادة. إنه، بطريقةٍ ما، شهادةٌ على الحياة.
هل يخفف التذكر من الخوف أم يزيده؟ ربما يفعل الأمرين معًا. فاستحضار اللحظات الجميلة قد يطمئننا، لكنه يذكّرنا أيضًا بأن الزمن لا يعود. ومع ذلك، يمكن أن يصبح التذكر "ملجأً زمنيًّا" إذا مورس بوعي: الاستماع إلى أغنياتٍ قديمةٍ، زيارة أماكن عشنا فيها، أو ببساطة الانغماس الكامل في تجربةٍ ممتعةٍ تخرجنا من الإحساس بالوقت.
قد يكون الترياق الوحيد لرهاب الزمن هو الإحساس بقدرٍ من السيادة على وقتنا. صحيح أن السيطرة الكاملة وهم، فالزمن لن يتوقف، والشيخوخة والموت حتميتان. لكن امتلاك هامشٍ أكبر من الحرية في تنظيم أيامنا قد يخفف القلق ويحدّ من الشعور بأن الزمن يفلت منا.
يبقى أن الكرونوفوبيا، في أقصى تجلياتها، تذكّرنا بحقيقةٍ بسيطةٍ: أننا كائناتٌ زمنيةٌ، وأن حياتنا محدودة. وربما لهذا السبب تحديدًا يكون الحنين، بكل ألمه، علامةً على أننا كنّا هنا، وأننا عشنا.


