لطالما كانت الدعاية إحدى أكثر أدوات القوة السياسية رسوخًا عبر التاريخ. فالدول لم تعتمد يومًا على القوة العسكرية أو الموارد الاقتصادية وحدها للحفاظ على سلطتها، بل اعتمدت أيضًا على قدرتها على تشكيل الطريقة التي تفهم بها المجتمعات الواقع. فمنذ العصور الإمبراطورية وحتى الدول الحديثة، كان التحكم في الأرض يترافق دائمًا مع التحكم في الرواية. ولهذا فإن الصراع على السلطة كان دائمًا يترافق مع صراع موازٍ على الإدراك والتفسير.
ما يميز القرن الحادي والعشرين ليس وجود الدعاية بحد ذاته، بل حجمها وسرعتها وتعقيدها التكنولوجي. فقد أدت الثورة الرقمية إلى تحويل السيطرة على الرواية من عنصر مساعد في السياسة إلى ساحة صراع قائمة بذاتها. ففي الماضي كانت الدعاية تعتمد أساسًا على السيطرة على الصحف أو الإذاعة أو التلفزيون. أما اليوم فهي تعمل عبر الخوارزميات، والحملات الرقمية المنسقة، وشبكات واسعة من الفاعلين على الإنترنت. لقد أصبح الواقع نفسه مجالًا للصراع.
تاريخيًا لم تعتمد الدعاية في الغالب على الأكاذيب الفجة، بل كانت تعمل من خلال الانتقاء وإعادة التأطير. فالحكومات كانت تبرز بعض الوقائع وتغفل أخرى، وتكرر تفسيرًا معينًا للأحداث حتى يصبح بمرور الوقت أقرب إلى الحقيقة المقبولة. في العصر الرقمي تطور هذا الأسلوب إلى ما يصفه كثير من الباحثين اليوم بـ"حرب المعلومات"، حيث تسعى الدول إلى التأثير في كيفية فهم الجماهير العالمية للأحداث عبر منظومات إعلامية كاملة تعمل في الفضاء الرقمي.
الحرب الجارية حول إيران تقدم مثالًا واضحًا على هذا التحول. فالرواية التي تقدمها أميركا للحرب تعتمد بشكل كبير على تأطير سياسي وإعلامي يهدف إلى تصوير العمليات العسكرية على أنها ضرورة دفاعية. إذ يكرر الخطاب الرسمي الأميركي أن الحرب تهدف إلى إزالة "تهديد وشيك" ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ويتم تقديم العمليات العسكرية باعتبارها عملًا وقائيًا لحماية الأمن الدولي، وليس باعتبارها حربًا اختيارية. غير أن هذه الرواية تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الحرب نفسها انطلقت من قرار سياسي وعسكري لم يكن نتيجة هجوم إيراني مباشر على أميركا، وهو ما دفع كثيرًا من المنتقدين إلى وصفها بأنها حرب غير مبررة تم تسويقها عبر خطاب أمني وإعلامي مكثف.
غير أن الدعاية المعاصرة لم تعد تقتصر على البيانات الرسمية أو المؤتمرات الصحفية. فقد أصبحت الرسائل السياسية مصممة خصيصًا للانتشار في وسائل التواصل الاجتماعي. فالمقاطع القصيرة، والصور عالية التأثير، والرسائل المبسطة المصممة لتنتشر بسرعة عبر الإنترنت أصبحت جزءًا من الخطاب الرسمي. وفي بعض الحالات تم تقديم العمليات العسكرية بصيغة بصرية تشبه ألعاب الفيديو أو المشاهد السينمائية، وهو أسلوب يهدف إلى تحويل القوة العسكرية إلى صورة رمزية للقوة والهيمنة في المخيال العام.
هذا التحول يعكس حقيقة جديدة في الحروب الحديثة: فالصراع لا يدور فقط في الميدان العسكري، بل أيضًا في المجال المعلوماتي. فالضربات العسكرية قد تدمر البنية التحتية، لكن الروايات السياسية تحدد الشرعية والقبول الدولي.
وفي الوقت نفسه تقدم الاستراتيجية الإعلامية الإسرائيلية مثالًا آخر على تطور الدعاية في البيئة الرقمية. فإسرائيل استثمرت لعقود طويلة في ما يعرف باسم "الهسبارا"، وهو نظام من الحملات الإعلامية والدبلوماسية يهدف إلى التأثير في كيفية فهم السياسات الإسرائيلية في الخارج. وفي السنوات الأخيرة توسعت هذه المنظومة بشكل كبير، حيث تم تخصيص موارد مالية ضخمة لحملات إعلامية دولية، وإعلانات رقمية، ورسائل سياسية موجهة عبر الإنترنت.
تعمل هذه الحملات عبر طبقات متعددة من النظام الإعلامي الرقمي. فالمؤسسات الرسمية وشبكات الدعم والمنظمات المتحالفة تنتج كميات هائلة من المحتوى الذي يتم توزيعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما يقوم مؤثرون وشخصيات إعلامية بتضخيم الرسائل التي تقدم الرواية الإسرائيلية للأحداث، في حين يتم إطلاق حملات منظمة لمواجهة الانتقادات المتعلقة بالحرب في غزة أو بالسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
تكمن قوة هذه الاستراتيجية في توافقها مع منطق المنصات الرقمية نفسها. فخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي مصممة لتعظيم التفاعل. والمحتوى الذي يحقق تفاعلًا سريعًا يتم دفعه تلقائيًا إلى جمهور أوسع. عندما تقوم شبكات كبيرة من الحسابات بمشاركة الرسالة نفسها والتفاعل معها في الوقت ذاته، فإن الخوارزميات تفسر هذا النشاط على أنه شعبية حقيقية، فتزيد من انتشار المحتوى بشكل أكبر.
وبذلك تتشكل حلقة تضخيم خوارزمية تجعل الرسائل المنسقة أكثر حضورًا وانتشارًا. وفي المقابل يمكن أن تتراجع الروايات المخالفة دون الحاجة إلى رقابة رسمية مباشرة. فالمحتوى الذي ينتقد الرواية السائدة قد يتعرض لحملات تبليغ جماعية أو هجمات منسقة أو ببساطة يغرق في موجة من المحتوى المنافس. في هذه الحالة لا تختفي الآراء المعارضة بالكامل، لكنها تصبح أقل ظهورًا في الفضاء الرقمي الواسع.
لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي بذلك إلى امتداد جديد للمنافسة الجيوسياسية. فالتأثير لم يعد يقاس فقط بالسيطرة على الأرض، بل أيضًا بالقدرة على الوصول الخوارزمي إلى الجمهور.
ومع ظهور الذكاء الاصطناعي تعمق هذا التحول أكثر. فقد أصبحت التقنيات التوليدية قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو وصوتيات واقعية للغاية خلال دقائق قليلة. ويمكن نشر هذه المواد بسرعة هائلة عبر الشبكات الرقمية العالمية. ومع تطور هذه الأدوات يصبح التمييز بين الوثائق الحقيقية والمواد المصنعة أكثر صعوبة.
في هذا السياق لم تعد الدعاية تهدف دائمًا إلى إقناع الجمهور برواية واحدة محددة. بل يمكن أن تعمل عبر خلق حالة من الارتباك المعلوماتي. فعندما يمتلئ الفضاء الرقمي بمقاطع متناقضة وصور معدلة وتفسيرات متعارضة للأحداث، تصبح القدرة على الوصول إلى حقيقة واضحة أمرًا أكثر صعوبة.
إن لهذه الظاهرة آثارًا عميقة على الحياة السياسية. فالنقاش العام يفترض وجود حد أدنى من الوقائع المشتركة. لكن البيئة الإعلامية الرقمية المعاصرة تميل إلى تفكيك هذا الأساس المشترك. إذ يعيش الأفراد في عوالم معلوماتية منفصلة تشكلها الخوارزميات والشبكات الاجتماعية والانتماءات الأيديولوجية.
لقد تطورت الدعاية دائمًا مع تطور وسائل الاتصال. فقد سمحت الطباعة بانتشار الأيديولوجيات، وأتاحت الإذاعة للحكومات مخاطبة الجماهير مباشرة، بينما حول التلفزيون السياسة إلى عرض بصري واسع التأثير. أما الثورة الرقمية فقد أطلقت تحولًا مشابهًا من حيث الحجم، لكن مع اختلاف جوهري يتمثل في سرعة وانتشار أدوات التلاعب بالمعلومات.
إن الأدوات القادرة على تشكيل الإدراك لم تعد حكرًا على الدول أو المؤسسات الإعلامية الكبرى. فهي اليوم متاحة لطيف واسع من الفاعلين، من الحكومات إلى جماعات الضغط إلى الشبكات الرقمية غير الرسمية.
لذلك فإن فهم الدعاية في القرن الحادي والعشرين يتطلب تجاوز الفكرة المبسطة عن "الأخبار الكاذبة". فالدعاية ليست مجرد نشر للأكاذيب، بل هي عملية معقدة يتم من خلالها تنظيم الوقائع والصور والروايات بطريقة تنتج رؤية معينة للعالم.
وفي عصر تحكمه الخوارزميات والحملات الرقمية المنسقة والمحتوى المصنَّع بواسطة الذكاء الاصطناعي، لم يعد التحدي الأساسي هو كشف الأكاذيب فحسب. التحدي الأعمق هو الدفاع عن إمكانية التمييز بين الحقيقة والتلاعب في فضاء إعلامي أصبحت فيه السيطرة على الإدراك جزءًا أساسيًا من الصراع السياسي العالمي.


