: آخر تحديث

تنصيب مجتبى: ضحكٌ على الذقون

4
5
5

عندما وضع منظرو "ولاية الفقيه" أسس هذا النظام قبل عقود، صوّروه للعالم وللداخل الإيراني على أنه "حكم الفضيلة" و"دولة الفقهاء" التي تترفع عن المورثات الملكية وتنبذ الظلم. لكن التاريخ، في سخرية مرّة، أوصل هذه النظرية اليوم إلى طريق مسدود، يتجسد في شخص مجتبى خامنئي. إن طرح اسمه كخليفة لوالده في منصب "ولي الفقيه" ليس مجرد إجراء سياسي، بل هو "ضحك على الذقون" واستخفاف صارخ بكل القيم التي ادعى النظام تمثيلها، وتحويل للجمهورية المدعاة إلى "سلطنة" أمنية بامتياز.

تتجلى المفارقة الكبرى في نسف معايير "الأهلية الفقهية"؛ فهذا المنصب الذي زعم منظروه يومًا أنه حكرٌ على "أعلم الفقهاء" وأكثرهم زهدًا، يُفصَّل اليوم على مقاس شخص لا يملك في رصيده سوى سنوات من "الدراسة الصورية" التي لم تُنتج اجتهادًا معتبرًا ولا مرجعيةً حقيقية. فمجتبى خامنئي ليس فقيهًا، بل هو في الحقيقة "جنرالٌ بعباءة"، استمد نفوذه وشرعيته الزائفة من صلة الدم ومن دهاليز "بيت خامنئي" المظلمة، بعيدًا كل البعد عن أروقة الحوزات العلمية أو القبول الشعبي العريض. إن محاولة تقديمه للعالم كمرجع ديني تمثل ذروة المهزلة التاريخية؛ حيث سقط القناع الديني تمامًا ليكشف عن أقبح صور الحكم الوراثي والسلالي، وهو ذات النظام الملكي الذي ادعى الملالي يومًا أنهم جاءوا لاقتلاعه وإرساء قيم السيادة الشعبية بدلاً منه.

وإذا نظرنا إلى ما وراء العمامة، نجد أننا لسنا أمام رجل دين، بل أمام "عرّاب" لإمبراطورية مالية مشبوهة. التقارير الاستخباراتية والصحفية الدولية، ومنها ما كشفته "بلومبرغ" و"فايننشال تايمز" مؤخرًا، ترسم صورة لرجل يدير شبكة معقدة من الثروات المنهوبة العابرة للحدود. من العقارات الفاخرة في قلب لندن إلى الحسابات والمشاريع الملتوية عبر وسطاء مثل "علي أنصاري" وغيره، يظهر مجتبى كزعيم لعصابة مالية تستنزف مقدرات الشعب الإيراني لتأمين نفوذها الخارجي. إن هذا الفساد المالي الممنهج ليس مجرد انحراف بسيط، بل هو "حمض نووي" لنظام يطالب الناس بالصبر والزهد بينما يتنعم أبناء قياداته في عواصم "الاستكبار" التي يلعنونها في شعاراتهم الصباحية.

أمنيًا وعسكريًا، يُمثل مجتبى خامنئي "القبضة الحديدية" التي لم تتردد لحظة في سفك دماء الإيرانيين. هو المحرك الخفي لجهاز القمع، والقائد الفعلي الذي يُدير تحركات الحرس الثوري والبسيج في مواجهة الانتفاضات الشعبية. يداه ملطختان بدماء المتظاهرين في عام 2009، وفي "نوفمبر الدامي" 2019، وصولاً إلى الانتفاضة الأخيرة التي هزت أركان النظام. لم يكتفِ بالقتل في الشوارع، بل حول السجون الإيرانية إلى إقطاعيات خاصة تحت إشرافه المباشر، حيث تُنتهك الكرامة الإنسانية وتُنتزع الاعترافات تحت التعذيب. إن سيطرته المطلقة على الأجهزة الأمنية والقضائية جعلت منه "الحاكم المطلق" الذي لا يحاسبه أحد، وصار وجوده في السلطة ضمانة لاستمرار حقبة القمع والترهيب.

وعلى الصعيد السياسي، كان مجتبى هو المهندس الأول لعمليات "هندسة الانتخابات" وتزوير إرادة الشعب. لقد أفرغ المؤسسات الدستورية من مضمونها، وحوّل "مجلس الخبراء" إلى أداة طيعة في يده لتمرير مخطط التوريث. إن هذا التغول على الدولة ومؤسساتها يعكس عقلية "العصابة" التي لا تؤمن بالشراكة الوطنية، بل تؤمن فقط بتركيز القوة والمال في يد حلقة ضيقة تحمي مصالحها العائلية والأمنية.

ختامًا، إن تنصيب مجتبى خامنئي ليس إلا الإعلان الرسمي عن الوفاة السريرية لنظرية "ولاية الفقيه" بصيغتها السياسية، وولادتها المشوهة كـ "مافيا وراثية" عائلية. إنها السخرية المرّة التي تجسدت في وصول شخص يفتقر لأدنى المقومات العلمية والدينية والإدارية، ومتورط في أضخم ملفات النهب الدولي وامتلاك العقارات المشبوهة في لندن وعواصم الغرب، ومسؤول مباشر عن جرائم القتل الجماعي بحق المتظاهرين، ليتصدر مشهد "النيابة عن الإمام". فإذا لم يكن هذا هو "الضحك على الذقون" بعينه، فماذا يكون؟

إن التاريخ لن يرحم هذا المشهد الهزلي، والشعب الإيراني الذي يرزح تحت وطأة هذا الاستبداد يدرك تمامًا أن هذه "الشرعية الزائفة" ليست إلا سكرات الموت لنظام تآكلت ركائزه، ولم يعد يملك سوى سوط القمع وخزائن المال المنهوب للبقاء في السلطة. لكن الكلمة الفصل لن تكون لبيت الخامنئي ولا لخطط التوريث، بل ستكون لإرادة الشعب الإيراني التي ستنتصر في نهاية المطاف بفضل السواعد القوية لجيش التحرير ووحدات الانتفاضة التي تقض مضاجع النظام في الداخل. إن مشروع تشكيل الحكومة الانتقالية من قبل "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" يأتي اليوم كضرورة تاريخية لتنفيذ إرادة هذا الشعب، وضمان وصوله إلى حقه المسلم والوحيد: الحرية الكاملة في اختيار نظامه السياسي وبناء إيران الديمقراطية بعيدًا عن أوهام الولاية وسلطة العصابة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.