في خضم الأسبوع الثالث من "حرب إيران الثانية"، يجد بنيامين نتنياهو نفسه عالقاً في مفارقة تاريخية؛ فبينما تسجل طائراته نصراً استراتيجياً مدوياً بتصفية المرشد الإيراني علي خامنئي وتفكيك مفاصل "التهديد الكياني"، تفشل هذه الإنجازات العسكرية في ترميم درعه السياسي المتآكل في الداخل. المشهد الذي ظهر فيه نتنياهو مؤخراً عبر "زووم"، مشتتاً ومنزعجاً من استطلاعات القناة 12 التي سبقت كلمته بدقائق، كشف عن هوة سحيقة بين "قائد الحرب" الذي يطارد المجد الخارجي، وبين "السياسي المحاصر" الذي يرفض الشارع منحه صك غفران جديد. فبرغم الدعم الشعبي لضرب إيران، لا تزال المعارضة تعزز قوتها في صناديق الاقتراع، في إشارة واضحة إلى أن الناخب الإسرائيلي بات يفصل تماماً بين الثقة المطلقة في الجيش وبين انعدام الثقة في رئيس حكومة غارق في أزماته القضائية.
هذه الأزمات وصلت إلى ذروة الصدام مع مؤسسة الرئاسة، حيث يستميت نتنياهو للحصول على عفو يضمن بقاءه في الحياة السياسية دون اعتراف بالذنب، مدفوعاً بضغط فج من دونالد ترامب الذي لم يتردد في مهاجمة الرئيس إسحق هيرتسوغ ووصف موقفه بـ "المخزي". إلا أن رد هيرتسوغ الغاضب والصلب أكد أن القلعة القضائية في إسرائيل ليست بصدد التنازل عن مبدأ "الإدانة أولاً"، مما يترك نتنياهو في حالة ارتباك وجودي؛ فهو يدير حرباً إقليمية كبرى وعينه على زنزانة محتملة، محاولاً مقايضة "رأس خامنئي" بحريته السياسية الشخصية.
ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، وتواصل الرشقات الصاروخية على الداخل الإسرائيلي لليوم الرابع عشر على التوالي، لم يعد الجمهور يقبل بـ "جولات" عابرة كحرب يونيو 2025 التي استمرت 12 يوماً وانتهت بلا حسم حقيقي. نتنياهو اليوم أمام اختبار المصداقية الأخير؛ فإما أن يحقق "النصر الكياني" الذي وعد به وينهي التهديد الإيراني للأبد، أو يواجه الحقيقة المرة بأن "هروبه إلى الأمام" عبر ساحات المعارك لم يفلح في حجب رؤية الإسرائيليين لفشل حكومته داخلياً. وفي نهاية المطاف، قد ينجح نتنياهو في تغيير وجه الشرق الأوسط عسكرياً، لكنه يكتشف يوماً بعد يوم أن جرح الوعي الإسرائيلي أعمق من بريق القنابل؛ ففشل السابع من أكتوبر 2023 كان زلزالاً هز أسس العقد بين الدولة والمواطن، وهو فشل أكبر من أن تمحوه أو تغسله حتى ضربة قاضية لقمة رأس النظام في إيران.


