: آخر تحديث
عندما تتحول الحروب إلى فخ:

هل دخلت واشنطن مصيدة إيران؟

5
5
6

أخطر لحظة في الحروب ليست عندما تُطلق الصواريخ، بل عندما يكتشف من بدأها أنه لا يعرف كيف ينهيها.

بهذه المعادلة القاسية يمكن قراءة المشهد المتصاعد بين أميركا وإيران اليوم.

فالمواجهة التي دخلها ترامب على أساس إعادة تثبيت الردع في الشرق الأوسط والحد من تمدد نفوذ "بعبع الخليج"، بدأت تتحول تدريجياً إلى معضلة استراتيجية أوسع بكثير من حدود الضربة الأولى. ما بدا في البداية كتحرك عسكري محدود أخذ يتكشف شيئاً فشيئاً كصراع متعدد الطبقات يمتد من الأمن العسكري إلى الاقتصاد العالمي.

المشكلة أن أميركا لم تدخل حرباً تقليدية يمكن قياسها بتقدم الجيوش أو تراجعها. ما حدث هو انتقال سريع إلى نمط آخر من الصراعات: صراع غير متكافئ تتحول فيه الجغرافيا الاقتصادية إلى ساحة قتال بحد ذاتها مستغلة الجغرافيا المائية لتعويض الفرق ما بين القوى.

فالشرق الأوسط ليس مجرد مساحة جغرافية للصراع، بل هو عقدة الطاقة العالمية، وممرات التجارة البحرية، ونقطة التوازن الحساسة بين الاقتصاد والسياسة الدولية. وعندما تتحرك المواجهة داخل هذه العقدة، فإن آثارها لا تبقى محصورة بين طرفين بل تمتد إلى النظام الدولي كله.

في هذا السياق، اختارت إيران عدم الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع القوة الأميركية. بدلاً من الاشتباك مع القوة الأميركية في السماء، حولت المواجهة إلى اقتصاد العالم. رسالتها كانت واضحة وباردة: إن أراد من يعلن الحرب أن يدفع الثمن فستكون الحرب على الطاقة، وعلى الممرات البحرية، وعلى الأسواق العالمية. يعني هي حرب لا يخسر فيها الخصم وحده، بل يخسر العالم معه.

لكن هذه المقاربة ليست بلا مخاطر. فكلما ارتفعت كلفة الصراع على الخصوم، ارتفعت أيضاً احتمالات الانزلاق إلى اضطراب إقليمي واسع قد يطال جميع الأطراف، بما في ذلك إيران نفسها.

وهنا يظهر المأزق الحقيقي الذي يواجه واشنطن.

التصعيد العسكري الواسع قد يدفع المنطقة إلى حافة انفجار يهدد استقرار أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وهو سيناريو تخشاه القوى الكبرى قبل غيرها. أما التراجع المفاجئ فسيُفسَّر داخل أميركا كإخفاق في تحقيق أهداف الردع.

وبين هذين الخيارين، تتحرك الإدارة الأميركية في مساحة ضيقة للغاية. التصريحات التي تتحدث عن عدم الرغبة في توسيع الحرب، والرسائل غير المباشرة عبر الوسطاء، والمؤشرات المتزايدة على فتح مسارات تفاوضية، كلها تعكس محاولة حذرة لبناء ما يسميه الاستراتيجيون "سلم النزول من التصعيد".

لكن التاريخ السياسي للشرق الأوسط يشير إلى حقيقة مختلفة:

الحروب هنا لا تنتهي عادة بقرار واحد، ولا يملك طرف واحد القدرة على إغلاقها متى شاء.

فالمنطقة تعمل وفق توازنات متشابكة بين قوى إقليمية ودولية، وداخل هذا التشابك تتحول الصراعات سريعاً إلى سلسلة من ردود الأفعال المتتابعة التي يصعب التحكم بإيقاعها.

لهذا فإن السؤال المطروح اليوم لم يعد متعلقاً ببداية المواجهة، بل بنهايتها.

هل تستطيع واشنطن صياغة مخرج سياسي يحفظ مصالحها ويمنع انفجار المنطقة؟

أم أن الصراع دخل بالفعل مرحلة يصبح فيها إيقاف التصعيد أكثر صعوبة من إطلاقه؟

كثير من الحروب تبدأ باعتبارها أداة للضغط السياسي، لكنها تتحول لاحقاً إلى مسارات مستقلة تفرض منطقها الخاص على صانعي القرار.

وفي لحظة كهذه، قد يكتشف الجميع أن السؤال الأخطر لم يكن يوماً من يملك القدرة على إشعال الحرب، بل من يملك القدرة على إطفائها.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.