في كثير من مجتمعاتنا العربية، الشرقية على وجه التحقيق، تعيش المرأة داخل مفارقة قاسية؛ تُرفع في وجهها شعارات التكريم والتقديس، وتُتلى النصوص التي تتحدث عن مكانتها، لكن الواقع اليومي يروي حكاية مختلفة تمامًا. فبين الكلمات البراقة والحياة الفعلية مسافة شاسعة من القهر والوصاية والازدواجية. المرأة التي تشكّل قلب الأسرة وروحها، والتي تصنع من تعبها اليومي حياةً ممكنة لأسرتها، تُعامل أحيانًا وكأنها كائن خُلِق للخدمة فقط، لا ليحلم أو يختار أو يقرر.
إنها الأم التي تسهر على مرض أبنائها، وتواجه قلق الحياة بصبرٍ صامت، وتدير تفاصيل البيت في أكثر الظروف قسوة. هي التي تمنح العائلة توازنها العاطفي، وتحمل في قلبها هموم الجميع. ومع ذلك، كثيرًا ما تُقابل هذه التضحيات بتقليلٍ من قيمتها، أو بتذكير دائم بأنها أقل شأنًا من الرجل، وكأن عطاءها الهائل لا يستحق الاعتراف.
وعندما ننظر إلى التجربة الغربية، نجد أن المرأة هناك قطعت مسارًا طويلًا من النضال الاجتماعي والفكري والقانوني حتى وصلت إلى موقع أكثر توازنًا في المجتمع. فالقوانين تحمي كرامتها وحقوقها، والمؤسسات تعترف بدورها الكامل في الحياة العامة، بوصفها شريكًا في البناء لا تابعًا في الظل. صحيح أن المجتمعات الغربية ليست خالية من مظاهر الاستغلال، فكل مجتمع يحمل تناقضاته، لكن هذه الظواهر لا تختزل الصورة الكاملة لمكانة المرأة هناك.
المفارقة المؤلمة أن بعض الرجال في مجتمعاتنا يسمحون لأنفسهم بتجاوز القيم التي يتغنون بها، بينما يُقيمون حول المرأة أسوارًا من القيود الصارمة. يمنح الرجل نفسه حرية واسعة، لكنه يُطالب المرأة بالمثالية المطلقة. يُمارس الوصاية باسم الأخلاق، ويتكئ على تفسيرات ضيّقة للدين ليبرر سلطة لا علاقة لها بجوهر الدين نفسه.
المرأة في الغرب تختلف تمامًا عن المرأة في الشرق، إنها مكرمة أكثر من الرجل وقريبة له، ولها مكانتها وحقوقها محفوظة ومصونة في ظل حماية القانون.
في الغرب المرأة أكثر انضباطًا منه في الشرق، وإن وُجدت بعض الصور السيئة والمهينة، فهذا لا يعني أنها صارت رخيصة وأصبحت سلعة كما يؤكد البعض من الجهلة.
في الشرق ما زال الرجل شرسًا في تعامله مع المرأة، في الوقت الذي يسمح فيه لنفسه بتجاوز الأعراف والأخلاق التي تربينا عليها، ويبيح لنفسه كل شيء في الوقت الذي يقف سدًا منيعًا في وجه المرأة، بل ويلعن الساعة التي وُلدت فيها، وكأنها عدو له. وهذا ما سبق أن لمسته وشاهدته بأم عيني من تصرف بعض الجهلة حيال زوجاتهم وأخواتهم بإلزامهن بارتداء النقاب، ولا يسمح لها بإزالته حتى في حضور المرأة نفسها، أقرب الناس لها، وفي غياب الرجل. وإذا ما سألت عن هذه التصرفات المهينة بحق المرأة، فإن الإجابة ما هي إلا الالتزام بتعليمات السنة النبوية. كثير منهم يتخفون تحت هذه الستارة، وكثير من أمثال هؤلاء الذين يطبقونها تراهم من اللصوص ومرتكبي الفواحش، والراكضين خلف النساء لافتعال الفواحش لإطفاء ملذاتهم الشخصية.
أي عقول هذه، وأي مبادئ تحاول أن تحط من قدر المرأة وتعيدها إلى عصور الجهل والتخلف؟
أخطر ما في هذه الظاهرة ليس القسوة الظاهرة فقط، بل الوعي المشوَّه الذي يصنعها؛ وعيٌ يرى المرأة تهديدًا لا شريكًا، وعبئًا لا طاقة إنسانية خلاقة. وهنا تكمن المأساة الاجتماعية الحقيقية، لأن المجتمع الذي يخشى حرية المرأة إنما يكشف عن خوف أعمق من مواجهة ذاته.
إن قضية المرأة ليست صراعًا بين رجل وامرأة، ولا منافسة بين الشرق والغرب، بل هي اختبار حضاري وأخلاقي للمجتمعات كلها. فالمجتمع الذي لا يعترف بإنسانية المرأة كاملة، إنما يختزل نصف إنسانيته هو نفسه. وحين تُهان المرأة أو تُحاصر خلف أسوار التقاليد الجامدة، فإن ما يُهان ليس كرامتها وحدها، بل كرامة المجتمع بأسره ومستقبله الإنساني.


