: آخر تحديث

رؤية سوريا 2040: نحو إعادة بناء الدولة والمجتمع

4
5
4

بعد عامٍ ونيفٍ من تحرير البلاد شهدت سوريا إنجازاتٍ كبيرةً؛ إذ استطاعت إعادة توحيد البلاد وبسط سلطة الدولة على كامل الجغرافيا السورية تقريبًا، وضبط الوضع الأمني بصورةٍ جيدةٍ، والمباشرة بخطى متسارعةٍ في بناء وزارة داخليةٍ قادرةٍ على فرض القانون، بالتوازي مع استمرار العمل على بناء جيشٍ وطنيٍّ مهنيٍّ. تزامن ذلك مع رفع العقوبات الدولية بزمنٍ قياسيٍّ مقارنةً مع دولٍ أخرى خضعت لعقوباتٍ أقل تعقيدًا. كما أعادت سوريا تموضع تحالفاتها الإقليمية والدولية، فحظيت بدعمٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ من دول الإقليم وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ومن النظام الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية.

في ظروف دولةٍ مثل التي مرت وتمر بها سوريا، يصبح من الضروري الانتقال إلى التخطيط للمستقبل. فالدول التي خرجت من الأزمات الكبرى لم تنهض بالارتجال، بل عبر رؤى استراتيجيةٍ واضحةٍ تحدد الأهداف الكبرى ومسارات العمل.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى صياغة رؤيةٍ وطنيةٍ متكاملةٍ متوسطة المدى لسوريا حتى عام 2040، تنظم الأولويات وتنسق الجهود وتمنح المجتمع والدولة أفقًا واضحًا. ولا شك أن بعض ملامح هذه الرؤية بدأت تظهر بصورةٍ متفرقةٍ في أحاديث واجتماعات وخطابات الرئيس الشرع، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب جمع هذه الأفكار ضمن إطارٍ استراتيجيٍّ متكاملٍ، شبيهٍ بالتجارب الناجحة في المنطقة، مثل رؤية السعودية 2030 التي قفزت بالبلاد بخطواتٍ متسارعةٍ نحو نهضةٍ شاملةٍ.

تحتاج سوريا إلى رسم أولوياتها وفق هذه الرؤية الشاملة عبر خطةٍ محكمةٍ وتسلسلٍ تنفيذيٍّ زمنيٍّ متكاملٍ تشترك فيه كل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ذات الصلة. ونرى أن هذه الرؤية يجب أن تشمل بنودًا رئيسيةً؛

أولها؛ بناء هياكل الدولة وترسيخ الاستقرار المؤسسي قبل أي مشروعٍ اقتصاديٍّ أو تنمويٍّ، فتثبيت الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة يحتاج إلى بناء مؤسسات الحكم والإدارة على أسس الكفاءة والشفافية والفاعلية. فالمؤسسات القوية هي الضامن لاستمرارية السياسات العامة، وهي التي تحول دون التخبط والفوضى الإدارية أو الشخصنة أو هدر الموارد والوقت في إدارة الدولة. يتطلب ذلك الاستمرار في إعادة هيكلة الوزارات والهيئات العامة، وتطوير أنظمة الإدارة والرقابة والمساءلة واعتماد أنظمةٍ ومعايير واضحةٍ في سلاسل اتخاذ القرار، والتعيين في الهياكل الإدارية والترقية بالاعتماد على الكفاءة والخبرة.

ثانيًا؛ ضمن هذه الرؤية تمثل إعادة صياغة قانون الإدارة المحلية الذي بوشر به مدخلًا أوليًّا لتحسين الواقع الإداري والخدمي في عموم البلاد. ويشكل تطوير قانون الإدارة المحلية أحد أعمدة الإصلاح المؤسسي. فاللامركزية الإدارية المدروسة تسمح بتخفيف العبء عن المركز ليمارس دوره القيادي الإرشادي ويمكّن المحافظات والبلديات من إدارة شؤونها التنموية والخدمية بشكلٍ فعّالٍ. كما أنها تخلق علاقةً أكثر توازنًا بين الدولة والمجتمعات المحلية، وتعزز المشاركة في إدارة الشأن العام.

ثالثًا؛ تأتي التنمية البشرية وبناء الكادر الإداري ضمن أولويات هذه الرؤية. إذ إنه بعد تثبيت الإطار المؤسسي للدولة وهيئاتها وإداراتها، تأتي مسألة بناء الإنسان الذي يدير هذه المؤسسات بتأهيلٍ تعليميٍّ وخبراتٍ متوافقةٍ مع متطلباتها، فسوريا تعاني اليوم من فجوةٍ كبيرةٍ في الكوادر الإدارية والفنية نتيجة سنواتٍ طويلةٍ من التدهور المؤسسي بمختلف أسبابه. ولذلك ينبغي إطلاق برنامجٍ وطنيٍّ واسعٍ لتأهيل كوادر الإدارة العامة الوسطى والعليا واستعادة الكفاءات السورية في الخارج وتطوير برامج تعليم الإدارة العامة والسياسات العامة في الجامعات وإدخال مفاهيم الإدارة الحديثة والتخطيط الاستراتيجي، فالدول لا تُبنى فقط بالبنية التحتية، بل بالكفاءات التي تديرها.

رابعًا؛ نرى أن واحدًا من أهم بنود هذه الرؤية يجب أن يقوم على إنجاز التحول الرقمي للدولة الذي بوشر به وتتولاه إحدى الشركات العربية الرائدة التي ساهمت في إنجاز التحول الرقمي في السعودية بسرعةٍ إعجازيةٍ وخدماتٍ متكاملةٍ تتفوق في بعض جوانبها على دولٍ أوروبيةٍ بدأت هذا المسار منذ أعوامٍ طويلةٍ.

فالتحول الرقمي أحد أهم أدوات تحديث الدولة، وهو ليس مجرد تحديثٍ تقنيٍّ بل تحولٌ عميقٌ في طريقة إدارة المؤسسات تكمن أهميته في عدة جوانب؛ من أهمها مكافحة الفساد عبر تقليل الاحتكاك المباشر بين المستفيد والموظف وتسريع الخدمات الحكومية وتبسيط الإجراءات وتوفير الوقت والمال والهدر والحد من تضخم الكادر الإداري وإنهاء طوابير المراجعين. كما يساهم التحول الرقمي بتوفير قاعدة بياناتٍ دقيقةٍ تساعد في التخطيط الاقتصادي والاجتماعي وتربط مؤسسات الدولة ببعضها ضمن منظومةٍ معلوماتيةٍ موحدةٍ، ناهيك عن أنه صار شرطًا أساسيًّا لجذب الاستثمار الحديث ولتطوير الاقتصاد المعرفي.

خامسًا؛ يشكل موضوع إعادة اللاجئين وتوطينهم واحدةً من أكبر التحديات الوطنية بعد الحرب. وقد باشرت الدولة هذا المسار بتشكيل لجنةٍ وطنيةٍ برئاسة وزير الطوارئ والكوارث وهو وزيرٌ خبيرٌ وكفؤٌ مما يبعث على الطمأنينة في سلامة سير هذا المسار. إذ إن عودة ملايين اللاجئين ليست مجرد قضيةٍ إنسانيةٍ ملحةٍ، بل هي أيضًا مسألةٌ اقتصاديةٌ واجتماعيةٌ وسياسيةٌ. إن إعادة تأهيل المناطق المدمرة يجب أن يأتي ضمن الرؤية الوطنية المتكاملة وضمن مخططٍ ونمطٍ عمرانيٍّ معياريٍّ متحضرٍ يطبق بشكلٍ صارمٍ، خالٍ من العشوائيات في البناء والتصميم، بما يضمن إدماج العائدين في الاقتصاد المحلي في إطار الرؤية المتكاملة للنهوض بالبلاد.

سادسًا؛ يجب أن تتضمن الرؤية إعداد خريطةٍ استثماريةٍ وطنيةٍ فلا يمكن جذب الاستثمارات المحلية والدولية دون وضوح الفرص الاقتصادية، ولهذا تحتاج سوريا إلى إعداد خريطةٍ استثماريةٍ شاملةٍ على المستوى الوطني ومستوى المحافظات والبلديات، تحدد القطاعات ذات الأولوية والمشاريع القابلة للاستثمار والبنية التحتية المطلوبة والموارد الاقتصادية المتاحة. إن وجود مثل هذه الخريطة يمنح المستثمرين وضوحًا وثقةً، ويساعد الدولة على توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر أهميةً.

سابعًا؛ بعد تهيئة البيئة المؤسسية والاستثمارية يمكن رسم التوجه الاقتصادي للمرحلة القادمة، والذي ينبغي أن يقوم على تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على قطاعٍ واحدٍ.

ويمثل القطاع الزراعي أحد أعمدة الاقتصاد السوري التقليدية. ومع توافر الأراضي الخصبة والموارد المائية في بعض المناطق، وقلة الاستثمارات المبدئية المطلوبة والدورة الزمنية القصيرة للإنتاج، يمكن لهذا القطاع أن يستعيد دوره في تحقيق موارد المعيشة الأساسية للسكان وتوفير فرص العمل في الريف. ولا يحتاج هذا القطاع بشكلٍ أوليٍّ سوى خفض كلفة الطاقة وتيسير الإجراءات للفلاحين قبل الانتقال في المدى المتوسط إلى تحديث تقنيات الزراعة والري، ودعم الصادرات والصناعات الزراعية التحويلية، وتحسين سلاسل التسويق ورعايتها.

أما القطاع الخدمي فهو يملك قدرةً كبيرةً على النمو السريع في خدمات النقل واللوجستيات مستفيدًا من موقع سوريا كممرٍ تجاريٍّ بين آسيا وأوروبا، وفي الخدمات المالية والمصرفية يمكن أن تشكل سوريا مركزًا إقليميًّا خصوصًا بعد انهيار النظام المصرفي اللبناني الذي كان يستخدمه قطاع الأعمال السوري. وكذلك يمكن أن تشكل سوريا إحدى وجهات التعليم والاستشفاء لما تمتلكه من فائضٍ احترافيٍّ ذو خبراتٍ دوليةٍ واسعةٍ في المجال الأكاديمي والطبي.

وفي القطاع السياحي تملك سوريا واحدةً من أغنى الخرائط الحضارية في العالم، من المواقع الأثرية إلى المدن التاريخية والطبيعة المتنوعة وتعدد الثقافات التقليدية منها والحديثة. ومع تحسن الاستقرار الأمني يمكن للقطاع السياحي أن يتحول إلى مصدرٍ مهمٍ للدخل عبر السياحة بمختلف أنواعها. إن المدن القديمة في دمشق وحلب يمكن أن تجذب ملايين السياح سنويًّا إذا أُعيد تأهيلها وهدمت المخالفات العشوائية التي بنيت في الفترة السابقة وشوهت نمطها ونسيجها العمراني، فحي البيازين في غرناطة الإسبانية يستقطب أكثر من 8 ملايين سائحٍ سنويًّا وهو لا يشكل سوى حيٍّ صغيرٍ مقارنةً بأحياء دمشق وحلب القديمة لكنه محافظ بشكلٍ تامٍّ على طابعه العمراني الأساسي. إن قطاع السياحة يخلق فرصًا وظيفيةً كثيفةً ويخلق امتداداتٍ أفقيةً وعموديةً في تنشيط الدورة الاقتصادية، وهذا يتطلب إعادة تأهيل المواقع السياحية والبنية التحتية والتوسع في توفير أماكن الإيواء على تعدد مستوياتها مع التأكيد على توفير الاقتصادية منها وإخضاعها للرقابة الصارمة وفق المعايير الدولية.

أخيرًا؛ إن بناء رؤيةٍ وطنيةٍ لسوريا حتى عام 2040 ليس ترفًا فكريًّا، بل ضرورةً سياسيةً واقتصاديةً. فالدولة الخارجة من حربٍ طويلةٍ تحتاج إلى بوصلةٍ واضحةٍ تحدد اتجاهها وتمنع تشتت الجهود، فهي ليست مجرد وثيقةٍ، بل عقدًا ضمنيًّا بين الدولة والمجتمع حول المستقبل الذي يسعى الجميع إلى بنائه. وإذا نجحت سوريا في تحويل هذه الرؤية إلى سياساتٍ عمليةٍ وبرامج تنفيذيةٍ متكاملةٍ تحدد الأولويات والمسؤوليات والجهات التنفيذية والإشرافية والرقابية وأدوارها، بعيدًا عن الارتجال والعشوائية، فإن السنوات القادمة يمكن أن تتحول من مرحلة التعافي إلى مرحلة النهوض الحقيقي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.