منذ أن صاغ هالفورد ماكندر نظريته عن "قلب العالم" ظلّ السؤال الجوهري في الجيوبوليتيك يدور حول من يسيطر على شرق أوروبا بوصفها بوابة القلب الأوراسي. الحرب في أوكرانيا أعادت إحياء هذا المنطق الكلاسيكي بصورة لافتة؛ فالمواجهة لم تكن مجرد نزاع حدودي، إنما صراعًا على منع اكتمال التمركز القاري الروسي وتحول شرق أوروبا إلى منصة أطلسية دائمة تضغط على المجال الحيوي الروسي. في هذا الإطار بدت أوكرانيا كأنها التجسيد المعاصر لمعادلة ماكندر: من يضبط هذه المنطقة يحدد ميزان القوة في القلب.
غير أن ثمة سؤالًا نقديًا لا يمكن تجاوزه: ماكندر صاغ نظريته عام 1904 حين كانت السيطرة البرية تعني شيئًا مختلفًا جذريًا، وسبيكمان نفسه صاحب نظرية "نطاق الحافة" في كتابه "جغرافية السلام" عام 1944 اعترف بأن التكنولوجيا بدأت تغير "قواعد اللعبة" الجيوسياسية؛ فهل نحن نُطبّق نظريات على واقع يفتقر إلى شروط إنتاجها؟ هذا الاعتراض جزئيًا صحيح، لكن الأدق القول إن المنطق الجغرافي لم يختفِ بل تحوّل؛ إذ باتت الحافة الاقتصادية وسلاسل التوريد التكنولوجية تُعيد إنتاج منطق الخنق والاحتواء بأدوات مختلفة لا تُلغيه. العقوبات على روسيا والحرب على سلاسل الرقائق مع الصين ليست بديلًا عن الجغرافيا بل امتداد لمنطقها في فضاء جديد.
من هذه الزاوية يعود نيكولاس سبيكمان إلى الواجهة لا بوصفه نقيضًا لماكندر بل مكملًا له. سبيكمان اعتبر أن السيطرة الحاسمة لا تتحقق عبر القلب ذاته بل عبر "الحافة" التي تطوقه؛ نطاق أوروبا الغربية والشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرقها. من يسيطر على هذا الطوق (البحري–البري) يملك القدرة على خنق القلب أو احتوائه. والوضع الراهن يُظهر أن الصراع لا يجري وفق نظرية واحدة بل في حقل تداخل ثلاثي الأبعاد: لاعبون يعملون من منطق ماكندر، ولاعبون من منطق سبيكمان، وآخرون يُدركون بحدسهم الاستراتيجي أن ثمة منطقًا ثالثًا لم تُنظّر له النظريتان بعد.
في هذا السياق تبدو إيران نقطة ارتكاز استراتيجية، لكنها في الوقت ذاته نقطة اختبار للتحليل ذاته. فجغرافيًا هي صلة الربط بين آسيا الوسطى والخليج، وبين الممرات البرية الصينية والطاقة العالمية، وهي ليست امتدادًا جغرافيًا لروسيا لكنها عقدة عبور استراتيجية تربط المجال الأوراسي بالخليج والمحيط الهندي عبر ممرات (شمال–جنوب). قيمتها الجيوسياسية تكمن في كونها جسرًا لوجستيًا يعيد تشكيل خطوط التجارة بعيدًا عن المسارات الخاضعة للهيمنة الغربية، ما يجعلها نقطة حساسة في توازن القوى العالمي.
لكن السؤال المضاد الذي ينبغي مواجهته صراحةً: لماذا فشلت هذه "العقدة" حتى الآن في تحقيق مزاياها الجيوسياسية النظرية؟ إيران التي تمتلك هذا الموقع المزعوم ظلّت محاصرة اقتصاديًا لأربعة عقود، وفقدت نفوذها في لبنان وغزة وسوريا في غضون أشهر. هذا لا يعني أن الموقع الجيوسياسي بلا قيمة بل يكشف عن تمييز جوهري كثيرًا ما يُغفله التحليل الكلاسيكي: الفرق بين الموقع والعقدة. الموقع معطى جغرافي ثابت، أما العقدة فهي وظيفة تتحقق حين تمتلك الدولة القدرة على توظيف موقعها فعليًا داخل شبكة العلاقات الدولية. وإيران اليوم تمتلك الأول دون أن تُحكم الثانية، مما يجعل الصراع عليها صراعًا على إمكانية لا على واقع مُنجز.
وهنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته "الجغرافيا الشبكية"؛ وهي ليست مجرد إضافة لفظية على الجيوسياسة الكلاسيكية، لكنها تعبّر عن تحوّل في وحدة التحليل ذاتها. في الجيوسياسة الكلاسيكية تُقاس قيمة الدولة بمساحتها وموقعها وتحصيناتها الطبيعية. أما في منطق الشبكات فالقيمة العليا تتحقق في موقع العقدة لا المساحة؛ تلك النقطة التي إن اختلّت أو أُعيد تعريف دورها أُصيبت الشبكة بأسرها. وإيران بحكم تقاطعاتها تُمثّل عقدة محتملة بين روسيا والصين من جهة، وبين الخليج والمحيط الهندي من جهة أخرى. ومن هنا فإن الصراع عليها أو من خلالها هو في عمقه صراع على وظيفة داخل شبكة، لا مجرد صراع على حدود. والفارق كبير بين دولة تؤدي دورًا تعطيليًا يُربك شبكات الاتصال، ودولة تؤدي دور ممرٍّ منضبط داخل منظومة أوسع.
بيد أن ثمة تحفظًا جوهريًا على الصورة الكلية. الحديث عن "استراتيجية أميركية" متماسكة تسعى إلى تطويق القلب وضبط الحافة في آنٍ معًا ينطوي على مجازفة تحليلية. ما يجري منذ سنوات يُشير إلى تذبذب هيكلي حقيقي بين مدارس استراتيجية متنافسة داخل المؤسسة الأميركية ذاتها، لا إلى عقل استراتيجي واحد يدير معادلة ماكندر وسبيكمان بمنطق موحّد. وهذا التذبذب ليس تفصيلًا هامشيًا، لأن فرضية "التطويق المزدوج" تحتاج إلى صانع قرار يعمل بهذا المنطق فعلًا لكي تكون فرضية وصفية لا مجرد إطار تفسيري خارجي.
مع ذلك يمكن القول إن الصراع الراهن لم ينتقل من نظرية إلى أخرى بقدر ما دخل مرحلة تداخل نظري عميق: معركة في شرق أوروبا لضبط القلب، وضغط في الشرق الأوسط لضبط الحافة، وسعي دائم لمنع تشكّل كتلة قارية متماسكة تربط الطرفين، كل ذلك في ظل منطق شبكي يُعيد توزيع القيمة الاستراتيجية توزيعًا جديدًا. إنها استراتيجية تطويق مزدوج لا تكتفي باحتواء القلب بل تعمل على هندسة أطرافه، في مشهد لم تُكتب نظريته الجامعة بعد، وربما هذا هو التحدي الحقيقي أمام الجيوبوليتيك في لحظته الراهنة.

