نكأ الأكاديمي الفلسطيني أسعد عبدالرحمن الجرح الغائر في خاصرة الكويت، مستدعيًا ذاكرةً موجعة، في حديث إعلامي انتهازي مؤخرًا عن أيامه في الكويت وأفضالها عليه حين عمل في جامعة الكويت قبل الغزو العراقي.
ونحن على مشارف ذكرى التحرير، تعود بنا الذاكرة إلى ذلك الفصل الأسود من التاريخ، وإلى الألم الإنساني والثمن البشري الذي دفعته الكويت وشعبها إبان الغزو العراقي.
فالغزو العراقي لم يكن حادثةً عابرةً تُنسى، ولا درسًا يُطوى في صفحات الماضي؛ بل جرحًا مفتوحًا في الوعي الوطني، ودماء شهداء، وتدميرًا للبيئة، وحرقًا لآبار النفط، وتشريدًا لمواطنين في أصقاع الأرض، وصورًا ما زالت ماثلةً في الوجدان.
لا يمكن للكويت أن تنسى من وقف معها منذ اللحظة الأولى، دولًا وشعوبًا وضمائر حية، ومن بينهم إخوة عراقيون في المهجر رفضوا عدوان صدام حسين، فتلك المواقف ستبقى محفورةً في الذاكرة الكويتية، بوصفها تعبيرًا عن أصالة التضامن الإنساني قبل السياسي.
في المقابل، سيظل جزءٌ أسود في التاريخ موقف من اصطف مع طاغية بغداد ضد الكويت، وفي مقدمتهم قيادة منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، وتحديدًا رئيسها ياسر عرفات، الذي خرج من رحم الكويت، لكنه اتخذ موقفًا شكّل صدمةً أخلاقيةً وسياسيةً للكويتيين.
ذلك الاصطفاف لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل كان صاعقةً قاتلةً في لحظةٍ مصيرية؛ فمن المؤلم أن بعض الأصوات الأكاديمية والسياسية الفلسطينية آنذاك لم تكتفِ بالصمت، بل انبرت في تأييد الغزو العراقي.
وتدافع فلسطينيون كثيرون إلى هدر حق الشرعية الكويتية، متجاوزين ما وثقته كتب التاريخ والعلوم السياسية بشأن نشأة الكويت وتطورها كدولة مستقلة ذات سيادة، كما فعل أسعد عبدالرحمن في بث سمومه أثناء تلك الأيام العصيبة.
وفي 18 ديسمبر 2018، عاد أسعد عبدالرحمن بمقال في صحيفة أردنية بعنوان: "ماذا لو لم تكن الكويت موجودة؟"، منتشيًا بزيف الإشادة بموقف الكويت من القضية الفلسطينية، في محاولةٍ مكشوفةٍ للقفز فوق موقفه الشخصي وموقف منظمة التحرير الفلسطينية إبان الغزو.
وكأن صفحات التاريخ يمكن طيها ببلاغة العبارة وأقنعة العاطفة، متناسيًا أو متجاهلًا موقفه الشخصي وموقف القيادة الفلسطينية من الغزو العراقي؛ فالذاكرة الانتقائية تستحضر ما يخدم اللحظة وتطمس ما يدينها.
الضمير النزيه لا يتلون، ولا يراهن على ضعف الذاكرة البشرية، ولا يقفز فوق صفحات التاريخ. والاعتراف بالأخطاء السياسية والإعلامية ليس ضعفًا، بل شجاعةٌ أخلاقية تُرمم العلاقات وتعيد بناء الثقة والاحترام.
أما تجاوز تلك المرحلة دون مصارحةٍ وشفافيةٍ مطلقتين بحجم الغدر والخيانة المتعمدة أو اعتذارٍ واضحٍ ومتكرر، فهو استمرار لسيناريو الخيانة والغدر وإن تغيّرت اللغة والموقف؛ فالانتهازية ليست فرصةً لرفع الجبين إلى السماء.
إن ترميم العلاقة مع الكويت، وطنًا ونظامًا وشعبًا، يقتضي الاعتراف الصريح بتلك المواقف الغادرة والآراء الخاطئة، وعدم الالتفاف عليها بخطابٍ عاطفي أو رأيٍ انتقائي.
فالقضايا العادلة لا تُبنى على ظلمٍ قضيةٍ أخرى، وتحرير فلسطين لا يبدأ من عدوانٍ عراقي على الكويت، ولا يمر عبر الجنوب الجغرافي صعودًا إلى القدس.
ويبقى من الإنصاف استحضار مواقف مشرّفة، مثل موقف الأخ الكبير الدكتور حسن الإبراهيم، الذي جمّد علاقاته الشخصية إبان الغزو، ووثّق ردوده على أسعد عبدالرحمن وفنّد مزاعمه التي سعت إلى شرعنة العدوان.
فقد وثّق الوزير السابق الدكتور حسن الإبراهيم آراءه وردوده وتفنيده في جريدة "صوت الكويت"، مسجلًا موقفًا وطنيًا سيظل شاهدًا على أن الصداقة لا تعلو على الحق، وأن المبدأ يسمو فوق المجاملة.
ومن جانبه، وثّق الأخ الدكتور فلاح المديرس في دراسةٍ له عن العلاقات الفلسطينية الكويتية (1921-2004)، وقد ورد فيها اسم ناكر الحق والشرعية الكويتية أسعد عبدالرحمن.
تلك لمحة عن التاريخ السياسي لتلك المرحلة، حيث تتمايز المواقف، وتُختبر الضمائر، وتبقى الذاكرة الوطنية والتاريخية عصيةً على الطمس، مهما حاول البعض إعادة كتابة السردية على مقاس اللحظة.

