: آخر تحديث

يــوم العلم و(العلم فـي هـذه البـلاد شيء آخر)

4
4
5

ناهد الأغا

في الحادي عشر من مارس، تحتفي المملكة بنفسها من خلاله، تحتفي بفكرة أن راية لا تُنكَّس يمكنها أن تصنع أمةً لا تُقهر، تحتفي بسرِّ الخضرة التي لا تذبل، وبكلمة التوحيد التي لا تموت، وبالعهد الذي قطعه الأوائل وسيظل يقطعه الآخرون حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وأنا.. في هذا اليوم.. أجد نفسي أفعل شيئًا لم أتوقعه حين جئت لأول مرة، هنا أجد نفسي أنظر إلى العلم كما ينظر السعوديون، بعين من صار للراية في قلبه مكان ليس باحترام الغريب، بل بحب من تعلم أن الحب لا يحتاج إلى جنسية، ليس بتقدير الضيف، بل بامتنان من صار البلد له وطنًا ثانيًا.

ثلاثون عاماً.. ثلاثون ربيعاً أمضيتها في رحاب المملكة العربية السعودية، منذ أول يوم وطأت فيه قدماي أرض هذه البلاد المباركة، وأنا أجد نفسي مغمورة في بحر من العشق لهذا الوطن، عشق يتجدد كلما رفرفت رايته الخضراء في سماء مدنها الجميلة، وكيف لا أتأثر بهذا العلم الذي يرفرف عالياً شامخاً كشموخ هذه البلاد؟ علم أخضر كلون الخير والنماء، تتوسطه كلمة التوحيد «لا إله إلا الله محمد رسول الله» مكتوبة بخط الثلث العربي الجميل، وتحتها سيف مسلول يرمز للقوة والعدل والرجولة.

في البداية، كان فضول المثقفة التي تبحث في رموز البلدان، أتأمل هذا العلم وأقرأ عنه، أتعرف على دلالاته ومعانيه، لكن مع مرور السنين، تحول الفضول إلى إعجاب، والإعجاب إلى حب، وبكل صدق وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها أقدس ما يقدسه أبناء هذا الوطن، وأحب ما يحبون.

هذه هي المملكة العربية السعودية. هذا وطن الحرمين الشريفين، هذه أرض التوحيد.. تُرفع له الهامات بفخر وسؤدد، في المدارس، حين يقف الطلاب صفوفاً أمام العلم، تعلو رؤوسهم كالنخيل، وتنطلق حناجرهم بالنشيد الوطني، في الميادين العامة، حين يمر الموكب والعلم يرفرف، تحدق العيون بخشوع، وترتفع الأيدي بالتحية، في الاستادات الرياضية، حين يُرفع العلم بعد فوز، تدمع العيون وتختلط الفرحة بالفخر، وهو الذي يمثل هيبة الدولة في المحافل العالمية، حين يُرفع العلم السعودي في مقر الأمم المتحدة، تقف الدنيا كلها لتستمع إلى كلمة المملكة، حين يظهر العلم في المؤتمرات الدولية، يعرف الجميع أن قادماً من أرض الحرمين يتحدث، فتُصغى الأصوات، وتُنصت الآذان.

والأهم من ذلك كله.. العلم هو الشرف الذي يدافع عنه أبناء الأمة، لأن الرموز مقدسة، ولأن القداسة عندما تتجسد في رمز، تصبح حماية هذا الرمز واجباً وشرفاً، لذلك ترى الجندي على الحدود يحمل العلم في قلبه قبل أن يحمل السلاح في يده، ترى المواطن يدافع عن علمه بكلمته، بقلمه، بموقفه

العلم هنا هو رمز الوحدة، تحت ظله يلتقي الجميع، بغض النظر عن قبائلهم ومناطقهم ومشاربهم القلب واحد.

العلم هنا طقسٌ وجودي، ومعادلةٌ كونية، وشاهدٌ على عهد قديم لا يزال جديداً.

واليوم، وأنا أختتم كلماتي، لا يسعني إلا أن أرفع أكف الضراعة إلى المولى عز وجل، داعية من أعماق قلبي:

اللهم احفظ هذا العلم الأخضر خفاقاً عالياً في سماء العزة والمجد.

اللهم أدم على هذه البلاد نعمة الأمن والأمان والاستقرار.

اللهم وفق قادتها لما فيه خير البلاد والعباد.

اللهم اجمع كلمتها، ووحد صفوفها، وأيدها بنصرك وتأييدك.

اللهم احفظ السعودية.. واحفظ شعبها الوفي.. واحفظ علمها الذي يرفرف شامخاً.. واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً، وسائر بلاد المسلمين.

ففي النهاية، ليست الأوطان جغرافيا على الخرائط، بل هي مشاعر تسكن القلوب.. وهذا العلم الذي جمعنا اليوم تحت ظله، سيظل شاهداً على أن المحبة الحقيقية لا تعرف حدوداً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد