: آخر تحديث

البطولة بين السادات والخميني

3
4
3

في بداية السبعينيات، وتحديدًا بين عامي 1971 و1972، كنت وقتها طالبًا في الدراسة المتوسطة في السعدية، وطلب مدرس اللغة العربية أن نكتب إنشاءً عن احتلال إيران للجزر العربية الثلاث في الخليج، حيث كان حدثًا ساخنًا في وقتها واهتم به النظام القائم في العراق بشكل واضح. وقد منحنا رؤوس نقاط أتذكر منها أنه شبّه الاحتلال الإيراني لهذه الجزر بإسرائيل الثانية. وعندما رفعت يدي متسائلًا: هل إن إيران طردت سكان هذه الجزر؟ فنهرني بمنتهى العصبية، وحتى رفع العصا التي في يده بوجهي، قائلًا: أنت تسمع فقط وتكتب ما أقول!

هذه "تسمع فقط" لم تكن خاصة بالعراق، بل كانت سمة تلك الفترة، ولاسيما في ظل الأنظمة دكتاتورية العربية "الجمهورية"، حيث كانت شعوب هذه الجمهوريات "اللاجمهورية أساسًا" معبأة بكراهية أميركا وإسرائيل والرجعية العربية "أي الدول الملكية نظير الأردن والسعودية والمغرب.. إلخ". وكانت هذه الشعوب طبقًا لتلك التعبئة المعدة تنتظر بفارغ الصبر هجومًا عربيًا من أجل تحرير فلسطين والقضاء على إسرائيل.

باغت الرئيس المصري الراحل أنور السادات في تشرين الأول (أكتوبر) 1973 العالم كله بعبور الجيش المصري قناة السويس وتحطيمه لخط بارليف. يومها انتعش الشارع العربي انتعاشة لم يحدث نظير لها لحد الآن، إذ إن هذا الحدث كان تطورًا نوعيًا غير مسبوق في الصراع العربي الإسرائيلي، وعكس ليس القدرة القتالية لمصر وإنما عبقريتها بهذا الصدد.

هذا النصر العسكري المصري، والذي تعزز أكثر مع إعلان الملك فيصل بن عبدالعزيز عن وقف تصدير النفط للدول الغربية، رافقه أيضًا إعلان للسادات أنه لن يتمكن من محاربة أميركا، في إشارة واضحة منه للدعم الأميركي المباشر لإسرائيل في وقت لم يكن الاتحاد السوفياتي وقتئذ على استعداد لتقديم هكذا دعم لمصر وللعرب. وكانت زيارة السادات إلى إسرائيل وخطبته المشهورة في الكنيست الإسرائيلي، ومن بعدها استرداد سيناء، وكيف إن جمهوريات "الدكتاتورية" قد وقفت ضده ووصفته بأشنع الأوصاف، فيما توعدت إسرائيل بويل وثبور لم نشهده إطلاقًا على أرض الواقع، بل وحتى شهدنا بعضًا من الذين توعدوا يُعدمون ويُقتلون على يد شعوبهم.

وبعد ذلك صارت المنطقة بين خيارين، أحدهما واقع وعملي هو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، والآخر حماسي نظري يزعم مواجهة إسرائيل والقضاء عليها. ومع أننا رأينا الخيار الأول هو الذي كان يتم لمسه، إلا إن الخيار الثاني ظل مجرد برقع يخفي وجوه دكتاتوريات معادية لشعوبها ولم يتقدم قيد أنملة إلى الأمام.

الصورة بقيت بين الخيارين المذكورين حتى جاء الخميني في عام 1979، وهو يوحي بكونه يسعى إلى تفعيل الخيار الثاني الذي عجزت جمهوريات "الدكتاتورية العروبية" عن جعله ملموسًا، ولكن هذه المرة لم يكن بطابع قومي وإنما إسلاموي، وهو الذي قاد إلى حرب صيف 2006 المدمر في لبنان، وإلى كارثة 7 تشرين الأول (أكتوبر)، من قبل حركة حماس الإرهابية، ومرورًا بحرب الأيام الـ12، وانتهاءً بالحرب الحالية.

لكن مهلاً، ما الذي حققه الخميني من مكاسب للقضية المركزية للعرب بحيث يمكن اعتباره أفضل من "جمهوريات الدكتاتورية العروبية"، ولا سيما إذا ما قمنا بمقارنته بالسادات؟ هل تمكن من استرداد ولو شبر واحد من الأرض العربية "الجولان والأراضي الفلسطينية" مثلًا؟

وهناك سؤال آخر أيضًا لا يجب تفويته، وهو: هل إن حال الشعب الإيراني كان أفضل من حال شعوب الجمهوريات العروبية في خضم تلك المواجهات والشعارات الحماسية؟ من الواقع إن الأفضلية ليست للأول، الذي أصبح أكثرية منه تعيش تحت خط الفقر والمجاعة. وكما إن المد القومي قد جعل الشعوب العربية تعيش حالة من الوهم، فإن الخميني قد ضاعفه أكثر.

ونسأل السؤال الأهم: من كان البطل حقًا طبقًا لمعايير العقل والمنطق والواقع، السادات أم الخميني؟

لا يكفي بأن تملأ الدنيا صخبًا بالشعارات الثورية والحماسية إذا لم تتمكن من أن تجد لها صدى على أرض الواقع. وقد كان دوستويفسكي بهذا السياق محقًا تمامًا عندما قال: إن جميع أحلامي التي هي مزيج من البطولة والأخيلة الروائية قد طارت من رأسي عند أول اتصال بالواقع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.