: آخر تحديث

حين يصبح توجيه أصابع الاتهام إلى القاتل «فتنة»

3
3
3

في ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لم يعد يدور الجدل حول الجريمة نفسها، بل حول حق اللبنانيين في الإشارة إليها.

اللافت، وإن لم يعد مستغربًا، في تعليقات جماعة المحور الإيراني، هو إصرارهم الفظّ والبعيد كل البعد عن اللباقة على تصنيف مسألة التأكيد على دور حزب الله في اغتيال رفيق الحريري عملًا «فتنويًا» يهدف إلى إحداث انقسام والدفع نحو حرب أهلية. أما «روايتهم التي ألبسوها ثوب الوطنية»، فتفيد بأن حادثة اغتيال الحريري، استنادًا إلى «براهينهم» و«معطياتهم» وقرائنهم التي لا يعرفها أحد، هي فعل العدو الإسرائيلي، وأن قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وحسن نصر الله هم جهة واحدة.

بهذه البساطة، يُعاد تعريف الجريمة، ويصبح القاتل ضحية، ويُتَّهم من يطالب بالعدالة بأنه يسعى إلى إشعال الحرب الأهلية.

وقاحة هذا الطرح ليست تفصيلًا، خصوصًا أن جيل العقدين أو العقود الثلاثة الأخيرة لا يعرف تفاصيل تلك المرحلة، ولا يتذكر حجم التحريض الممنهج الذي مارسه نظام الأسد وحزب الله ضد الرموز السيادية التي اغتيلت لاحقًا. بالنسبة إلى كثيرين اليوم، يُعدّ اغتيال الحريري حدثًا غامضًا من الماضي يفتقر إلى السياق واللواحق، كما لو أن الظروف السياسية أو الأمنية التي مهّدت له لم تكن موجودة.

بعد اغتيال الرئيس الحريري، خرج حسن نصر الله إلى العلن وقدّم ما هو أشبه بالمسرحية السياسية، إذ عرض «براهين حسية» تسلّط الضوء على الدور الإسرائيلي في الجريمة. يومها، حاول إقناع اللبنانيين بأن مقاطع لطائرات استطلاع تشكّل دليلًا جنائيًا، وأن روايات لا تصمد أمام أسئلة طفل في الثالثة من عمره تكفي لإغلاق ملف أكبر اغتيال سياسي في تاريخ لبنان الحديث.

في المقابل، البراهين التي قُدِّمت لاحقًا أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والتي استندت إلى تحليل دقيق لشبكات الاتصالات، أكدت أن فرقة القتل التي تزعمها مصطفى بدر الدين ومجموعة تابعة له تولّت التخطيط والتنفيذ في اغتيال الحريري، كما في عشرات الاغتيالات السياسية التي تلت ذلك. كما أن أهم ضحاياهم لم يكونوا فقط سياسيين وإعلاميين، بل أيضًا ضباطًا أدّوا دورًا أساسيًا في كشف معالم الجريمة، مثل الرائد وسام عيد واللواء وسام الحسن.

لكن الأخطر من الجريمة نفسها هو السردية التي تلتها.

فالفتنة الحقيقية ليست في اتهام القاتل، بل في السماح لحزب الله بأن يخدع اللبنانيين عمومًا، والشيعة خصوصًا، عبر إقناعهم بأن هذه الجرائم التي ارتُكبت بحق رفيق الحريري وسواه إنما نفذها العدو الإسرائيلي. في هذا السياق، لا يكتفي الحزب بارتكاب الجريمة، بل يعمل على إعادة توجيه وعي جمهوره، فيتحول بعض هؤلاء إلى ضحايا طوعيين لسردية تبرّئ القاتل وتحمل المسؤولية لعدو خارجي. إنها عملية مصادرة مزدوجة: مصادرة الحقيقة أولًا، ثم مصادرة الضحية نفسها عبر إقناعها بأن قاتلها بريء.

المشكلة لا تنتهي هنا، بل تبدأ.

إن وقاحة أنصار حزب الله لا تقل عن وقاحة طبقة سياسية لبنانية استعملت السيادة أداة ظرفية، ثم قررت لاحقًا أن الجلوس مع حزب الله على الطاولة نفسها ليس مشكلة، تحت ذريعة أنه «مكوّن لبناني». بهذه الحجة، جرى تطبيع وجود السلاح، وتحييد مسألة الاغتيالات، والتعامل مع القاتل كشريك سياسي يتمتع بكامل الصلاحيات، فيما تحولت العدالة إلى ترف سياسي يمكن التخلي عنه بذريعة «استقرار البلاد».

المهم، مهما حاول البعض تزوير التاريخ، فإن رفيق الحريري والمئات من اللبنانيين الذين اغتيلوا بعده لم يموتوا بسبب أمراض طبيعية، ولم يسقطوا أثناء الاستجمام مثلًا. لقد اغتيلوا بفعل سياسي وأمني مباشر، على يد حزب يدّعي امتلاك الحقائق واحتكار القداسة، فيما أثبتت المجريات تورطه في القتل، وفي التجارة بالدم والمخدرات، وادعاء الشجاعة والتقوى، وهو أبعد ما يكون عن كل تلك المزاعم.

اليوم، بعد واحد وعشرين عامًا، لم تعد تتمحور المعركة فقط حول العدالة وإحقاق الحق، بل حول الذاكرة نفسها: هل يُسمح للبنانيين أن يتذكروا من قتل رفيق الحريري، أم أن التذكّر بحد ذاته أصبح جريمة؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.