لم تعد الحروب الحديثة تُدار فقط بالصواريخ والطائرات، بل بكياناتٍ غير مرئيةٍ: خوارزمياتٍ، شبكات بياناتٍ، ونماذج ذكاءٍ اصطناعيٍ تحاول أن تفعل شيئاً كان قبل سنواتٍ يبدو مستحيلاً: التنبؤ بالقرار قبل أن يتخذه الإنسان.
في عالم الاستخبارات المعاصر لم يعد السؤال: ماذا يفعل الخصم الآن؟ بل أصبح: ماذا سيفعل بعد ساعةٍ أو بعد أسبوعٍ؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حربٍ تقليديةٍ وحربٍ تقودها البيانات. منذ بداية القرن الحادي والعشرين دخلت أجهزة الاستخبارات الكبرى مرحلةً جديدةً تعتمد على تحليل السلوك البشري عبر ملايين الإشارات الرقمية: المكالمات، الرسائل، أنماط الحركة، العلاقات الاجتماعية، وحتى توقيت النوم والاستيقاظ. هذه البيانات لا تُجمع فقط، بل تُغذّى في أنظمة ذكاءٍ اصطناعيٍ تحاول بناء خريطةٍ نفسيةٍ رقميةٍ لكل هدفٍ، والفكرة التي يعمل عليها بعض الباحثين اليوم ليست مجرد مراقبة الأشخاص، بل محاولة الإجابة عن سؤالٍ أكثر جرأةً: هل يمكن للخوارزمية أن تتوقع لحظة القرار قبل أن تتشكل في عقل صاحبها؟
هذه الفكرة ليست خيالاً كاملاً. في مجالات علم الأعصاب أظهرت تجارب أن بعض إشارات الدماغ يمكن أن تكشف نية الحركة قبل أن يشعر الإنسان بأنه اتخذ القرار. وعندما تُدمج هذه الأبحاث مع الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات السلوكية، يظهر تصورٌ جديدٌ للحرب الاستخباراتية: حربٌ تحاول قراءة النوايا، نعم قراءة النوايا.
في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الحروب السرية مع التكنولوجيا المتقدمة، أصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً. سلسلة العمليات التي استهدفت شخصياتٍ بارزةٍ خلال العقدين الماضيين أثارت تساؤلاتٍ حول حجم الدور الذي تلعبه البيانات في تحديد الأهداف.
اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مثلاً كشف للعالم كيف يمكن لمزيجٍ من الأقمار الصناعية والتنصت وتحليل البيانات أن يرسم مسار تحرك شخصٍ بدقةٍ شبه مطلقةٍ. الأمر نفسه أثار تساؤلاتٍ لاحقاً في حالاتٍ أخرى ارتبطت بقياداتٍ إقليميةٍ مثل إسماعيل هنية ويحيى السنوار وحسن نصر الله.
لكن السؤال الأكثر إثارةً ليس كيف يتم تعقب الأشخاص، بل كيف يتم توقع اللحظة المناسبة. وهنا تظهر فرضياتٌ يطرحها بعض الباحثين في الأمن التكنولوجي. إحدى هذه الفرضيات تقول إن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تكون قادرةً على تحليل آلاف الإشارات الدقيقة في حياة الشخص، من نمط اتصالاته إلى تحركاته اليومية، للتنبؤ بلحظة ضعفه أو لحظة ظهوره في موقعٍ معينٍ.
فرضيةٌ أخرى أكثر غرابةً تقول إن بعض الأجهزة الاستخباراتية تحاول دمج علم الأعصاب مع تحليل البيانات السلوكية لفهم الأنماط الذهنية للقادة: متى يقررون السفر، متى يغيرون الحراسة، متى يتخذون قراراً مفاجئاً. لكن الفرضية الأكثر إثارةً للجدل تتعلق بفكرة "الخريطة العصبية الرقمية"، وهي تصورٌ نظريٌ يحاول بناء نموذجٍ حاسوبيٍ يحاكي طريقة تفكير الشخص اعتماداً على سلوكه السابق. إذا صحّ ذلك فإن الاستخبارات لا تراقب الأهداف فقط، بل تحاول محاكاة عقولهم.
في هذا السياق تظهر تساؤلاتٌ حول شخصياتٍ مثل مجتبى خامنئي الذي يُعتقد أنه أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في الدائرة الضيقة للسلطة الإيرانية اليوم. أي إصابةٍ أو حادثٍ يتعلق بشخصيةٍ بهذه الحساسية يفتح الباب فوراً أمام موجةٍ من التكهنات، خصوصاً في زمنٍ أصبحت فيه التكنولوجيا قادرةً على تحليل سلوك الإنسان بشكلٍ غير مسبوقٍ.
لكن الحقيقة التي يعترف بها معظم الباحثين هي أن هذه الفرضيات، بالرغم من جاذبيتها، لا تزال في منطقةٍ رماديةٍ بين العلم والتكهن.
فالذكاء الاصطناعي قادرٌ اليوم على تحليل البيانات بسرعةٍ مذهلةٍ، لكنه لا يستطيع قراءة العقول حرفياً. ومع ذلك فإن قدرته على التنبؤ بالسلوك أصبحت قويةً بما يكفي لتغيير قواعد اللعبة الاستخباراتية.
وهنا تكمن المفارقة المرعبة في الحروب الحديثة: لم يعد الهدف فقط معرفة مكان الخصم، بل فهم كيف يفكر.
وفي عالمٍ تتزاوج فيه الخوارزميات مع الصراع السياسي، قد يأتي يومٌ يصبح فيه القرار الأخطر في حياة أي قائدٍ ليس ما يقوله علناً، بل ما تتوقع الخوارزمية أنه سيفعله بعد لحظةٍ.


