بينما كانت أصوات اعتراض الصواريخ تتردد في سماء المنطقة خلال الأيام الستة عشر الماضية، برز خلف غبار المعارك قرار سيادي صامت يُعد الأشد أثراً من أي اشتباك ميداني: تحويل المملكة العربية السعودية من مجرد مستهلك نهائي للسلاح إلى منتج سيادي يمتلك قراره العسكري بالكامل.
درس "شاهين": العودة إلى هندسة السيادة
لا يبدأ الطموح السعودي في التوطين من نقطة الصفر، بل يستند إلى إرث تاريخي أثبتت فيه الكوادر الوطنية قدرتها على تطويع أعقد التقنيات. ففي تجربة مرجعية، لم تكتفِ الرياض بشراء منظومة "كروتال" الفرنسية، بل أعادت هندستها من الجذور لتُولد منظومة "شاهين".
هذه المنظومة لم تكن مجرد تعديل، بل كانت إعادة تفكير شاملة شملت وضعها على هياكل دبابات AMX-30 لزيادة الحركية، ومعايرة راداراتها لتناسب تضاريس الصحراء.
واليوم تدرك القيادة أن "العقد الموقع ليس قدرة منشورة"، وأن امتلاك السلاح يبدأ من فهم أسراره التقنية وتطويرها محلياً.
GAMI وSAMI: العقل والذراع في بناء "القبة الموحدة"
في قلب هذا التحول، تعمل الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI) كعقلٍ مخططٍ يوجّه الاستثمارات نحو الثغرات التي كشفتها الحرب، بهدف رفع نسبة التوطين من 26 بالمئة إلى 50 بالمئة. وبالتوازي، تبرز الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) كذراعٍ تنفيذيٍ يحوّل هذه الرؤى إلى خطوط إنتاجٍ واقعيةٍ.
الإنجاز الأبرز هو مشروع "القبة السعودية الموحدة" — نظام قيادةٍ وسيطرةٍ (C4I) سياديٌ يعمل كدماغٍ إلكترونيٍ يدمج كافة المنظومات في شبكة رصدٍ واحدةٍ. هذا الدماغ يُلغي نهائياً خطر "العمى الراداري" الناتج عن اختلاف المصادر، ويمنع أي طرفٍ خارجيٍ من الاحتفاظ بمفتاح التشغيل لمنظومةٍ دفاعيةٍ سعوديةٍ.
توازن الحاجة: شراكات الشرق لكسر معادلة الاستنزاف
تتبع المملكة اليوم استراتيجيةً ناضجةً لتصحيح الخلل البنيوي في الاعتماد الأحادي. ويبرز هنا مساران:
- المسار الكوري: عبر منظومة Cheongung II، التي تمثل الحلقة المفقودة في الدفاع متوسط المدى، حيث تُعد سيول شريكاً مرناً يقدم نقل تقنيةٍ حقيقياً.
- المسار الصيني: عبر توطين أنظمة الليزر (Silent Hunter)، وهو خيارٌ اقتصاديٌ يكسر معادلة الاستنزاف؛ فمن خلاله يمكن صد مسيّرةٍ ثمنها ألف دولار بطلقة ليزر.
خارطة الطريق إلى 2028: عام الاستقلال التام
- عام 2027 (سيادة الذخائر): نضج خطوط إنتاج المقذوفات والمسيّرات محلياً لوقف النزيف المالي الهائل.
- عام 2028 (القفزة السيادية): اكتمال "القبة الموحدة" برمجياً وراداراً وصيانةً، والوصول إلى عتبة 50 بالمئة توطين مع استقلاليةٍ تشغيليةٍ كاملةٍ.
ختاماً، الدرس الأعمق من مواجهات عام 2026 هو أن السيادة الحقيقية لا تُقرأ في عدد البطاريات المنتشرة، بل في عدد العقول السعودية القادرة على تفكيكها وتطويرها دون الرجوع لأحد. وبحلول 2028 ستكون المملكة قد حسمت خيارها: إما أن تصنع درعها بيدها، أو تظل تدفع ثمن سيادةٍ لا تملكها.

