في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، لا تحتفل المملكة العربية السعودية بذكرى تأسيسها وحسب، بل تُجدّد عهداً راسخاً مع مسيرة بنائها: أن هذه الدولة لم تُولد مصادفةً، وأنها لم تصمد صدفةً، وأن مستقبلها لم يُرسَم في غياهب الارتجال. يوم التأسيس ذكرى لإمارة الدرعية عام 1139هـ حين أرسى الإمام محمد بن سعود مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب وثيقةَ دولة قامت على توازن فريد بين الحكم الرشيد والمرجعية الدينية، ومن ذلك الأساس تفرّعت كل محطات التاريخ اللاحقة.
غير أن استيعاب معنى التأسيس اليوم يستلزم رحلةً عبر ثلاثة فصول متصلة: مواجهة الإرهاب بصدق وحزم، وبناء نموذج للاعتدال في العالم الإسلامي، ثم قيادة ثورة اجتماعية واقتصادية لم تشهد المنطقة مثيلها.
من صدمة التسعينات إلى الرؤية: دولة مؤسِّسة لا تتراجع
الصدمة. إرهاب التسعينيات
لم تبدأ المواجهة السعودية مع الإرهاب عام 2003 كما تُوحي بعض الروايات المبتورة، بل تمتد جذورها إلى عقد التسعينيات، حين اكتشفت المملكة أن التهديد لا يقف على حدودها بل قد ينبع من رحمها.
في 13 نوفمبر 1995، دوّى أول انفجار يستهدف مقر برنامج تحديث الحرس الوطني (OPM-SANG) في الرياض، خلّف خمسة قتلى وأكثر من ستين جريحاً. كان نذيراً، وكان رسالةً: أن الأرض السعودية باتت في مرمى التطرف. وقبل أن تلتئم الجراح، جاء الأعنف: في 25 يونيو 1996 فجّرت شاحنة محمّلة بعشرين ألف رطل من المتفجرات مجمع أبراج الخبر في الظهران، وأودت بحياة تسعة عشر عسكرياً.
الصدمة الحقيقية في التسعينيات لم تكن في الضحايا وحدهم؛ كانت في السؤال المرير الذي فرضته: كيف اختُرق المجتمع؟ ومن أين بدأ الخلل؟ هذا السؤال هو الذي أطلق مسيرة المراجعة الفكرية الكبرى.
الألفية: المواجهة الدموية الحاسمة!
في 12 مايو 2003، نفّذ تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ثلاث تفجيرات متزامنة في مجمعات سكنية بالرياض. لم تكن ضربةً أمنية فحسب، بل كانت رهاناً على قدرة المملكة على الصمود. جاء الرد مزدوجاً وحاسماً: على الصعيد الأمني، أُعلنت قوائم المطلوبين وفُكِّكت الخلايا وجُفِّفت شبكات التمويل، حتى وثّق مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أن الإجراءات السعودية أسهمت في تجفيف تمويل القاعدة بصورة 'ربما كانت جذرية'. وانخفض عدد الهجمات الكبرى من ثلاثين عملية عام 2004 إلى أقل من ست في السنوات التالية مجتمعة.
أما على الصعيد الفكري، فوُلد عام 2004 برنامج المناصحة وإعادة التأهيل أُدرج فيه أكثر من ثلاثة آلاف شخص بنسبة نجاح تتجاوز 86%، ليصبح نموذجاً عالمياً استرشدت به بريطانيا وإندونيسيا وسنغافورة في بناء برامجها المشابهة.
حرب الشرعية الدينية!
حين أعلن تنظيم داعش خلافته في يونيو 2014، لم يُخفِ هدفه الحقيقي: مزاحمة المملكة على شرعيتها الدينية والرمزية، وإعادة كتابة الإسلام بالدماء. حين استهدفت عملياته مساجد المصلين في القطيف والدمام عام 2015 وراح ضحيتها ستة وعشرون شخصاً، كان يُعلن صراحةً أنه يحارب الدولة ومشروعها.
غير أن المملكة كانت تعرف ما لا يعرفه داعش: من يمتلك الحرمين ويحمل إرث الفقه والاعتدال لا يُزاحَم على الشرعية بالتفجيرات. جاء الرد منظومةً متكاملة: أمنية صارمة، وتشريعية حازمة، وفكرية راسخة تُطفئ الفكرة لا السلاح وحده. وعام 2017 أُسِّس المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف ( بحضور قادة العالم، ليعمل بخمس عشرة لغة، ويرصد المحتوى المتطرف ويصنّفه في ست ثوانٍ، وليُزيل بالشراكة مع المنصات الرقمية ما يزيد على 97 مليون محتوى متطرف في عام 2025 وحده. فضلاً عن ذلك، رصدت المملكة مئة وعشرة ملايين دولار لتأسيس مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في نيويورك وترأسه حتى اليوم.
الرؤية والثورة والثروة
ولا يكتمل الحديث عن المملكة في يوم تأسيسها دون الوقوف أمام أعمق تحوّلاتها في التاريخ المعاصر. رؤية 2030 ليست خطةً اقتصادية جافة، بل هي مشروع حضاري متكامل يصوغ هوية الدولة لعقود مقبلة، ويُقدّم نموذجاً حياً للعالم الإسلامي يقول: الإسلام والحداثة والكرامة الإنسانية ليست أضداداً.
على الصعيد الاجتماعي، شهدت المملكة ثورةً حقيقية في مشاركة المرأة؛ إذ ارتفعت نسبتها في سوق العمل من 19.7% عام 2018 إلى 36.3% في مطلع 2025، متجاوزةً الهدف المرسوم مبكراً. وانخفض معدل البطالة العام إلى 7% في الربع الأخير من 2024، محققاً الهدف المنشود قبل ست سنوات من موعده. وباتت المرأة تقود سيارتها، وتُدير مشاريعها، وتحمل جواز سفرها باستقلالية تامة.
وعلى الصعيد الثقافي والترفيهي، شهدت المملكة انبعاثاً استثنائياً: استقبلت أكثر من مئة مليون سائح عام 2024 محققةً هدف 2030 قبل موعده بست سنوات، فيما ارتفعت عائدات السياحة الدولية بنسبة 148% مقارنةً بعام 2019. وحضر 76.9 مليون زائر الفعاليات الترفيهية خلال العام نفسه، فيما تضاعف عدد المصانع المرخّصة ليتجاوز 12,000 مصنع، وتحتضن المملكة اليوم ثروةً معدنية مُقدَّرة بـ2.51 تريليون دولار.
صندوق الاستثمارات العامة تضاعفت أصوله ثلاث مرات لتبلغ 941 مليار دولار، وأسّس 93 شركة في 13 قطاعاً استراتيجياً، وأوجد أكثر من 1.1 مليون فرصة عمل — رقم يعبّر عن حجم الطموح السعودي في إعادة رسم الخارطة الاقتصادية الإقليمية والعالمية.
وعلى مؤشرات التنافسية الدولية، تقدمت المملكة 20 مرتبةً في مؤشر التنافسية العالمي لتحتل المرتبة السادسة عشرة عالمياً، وقفزت 25 مرتبةً في مؤشر الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية لتحتل المرتبة السادسة عالمياً. أما 93% من مؤشرات رؤية 2030 لعام 2026 فقد تحققت أو باتت على مسار الإنجاز — وهو ما دفع الملك سلمان إلى الإعلان بثقة: 'لقد جعلنا مملكتنا نموذجاً عالمياً للتحول في أقل من عقد.'
قيادة التسامح — الإرث في خدمة المستقبل
كل هذه المعطيات تعود إلى حقيقة واحدة جوهرية: المملكة العربية السعودية هي الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تمتلك المزيج الاستثنائي الكامل. تمتلك المرجعية الدينية بحكم الحرمين وإرث علمائها وسند الفقه المتصل عبر القرون. وتمتلك الثقل الجيوسياسي الذي يجعل موقفها معياراً تُقاس عليه شرعية كل خطاب ديني. وتمتلك الأدوات المؤسسية والمالية لتحويل هذه الشرعية إلى فعل ومؤثر حقيقي في العالم.
حين يتحدث عالم سعودي بارز عن الاعتدال، يصل صوته إلى مسلمي جاكرتا وداكار ولندن بسلطة مختلفة تماماً عن أي صوت آخر. وحين تُقدّم المملكة نموذجها الحي في التحوّل الاجتماعي والاقتصادي محتفظةً بجذورها وقيمها وهويتها، فإنها تُفنّد بالفعل لا بالكلام كل ادعاء ظلامي يزعم استحالة الجمع بين الإسلام والحياة.
في يوم التأسيس، تتجدد الرواية كاملةً: دولة نشأت على وثيقة حكم ودين، وصمدت في وجه التطرف منذ التسعينيات حتى اليوم، وحوّلت مواجهة الإرهاب إلى مشروع فكري للاعتدال، ثم انطلقت في ثورة اجتماعية واقتصادية غيّرت وجه المنطقة.
هذا ليس افتخاراً وجدانياً فحسب، بل هو توصيف دقيق لمسيرة دولة تعرف من أين جاءت، وتعرف بيقين إلى أين تسير.
مجدٌ لدولة تعرف من أين جاءت، وتعرف إلى أين تسير، وتعرف كيف تحمي الطريق بينهما.

