عبده الأسمري
ما بين القضاء والتعليم مضى يحصد «غنائم» العلم ويجني مغانم «المعرفة» في شواهد من «الإنجاز» جمعها في تنوع «مدهش»، رتب مواعيده على «أسوار» الحقائق وجمع وعوده أمام «معالم» الوقائع.
من عمق «ذات سخية» إلى أفق «نفس مرضية» بنى صروح «السمعة» على أركان من «المروءة»، ورسخ طموح «السيرة» في اتجاهات من «الشهامة» جمع فيها ما بين «همة المسؤول» و«رحمة الإنسان».
امتلك «فكراً ناضجاً» استبق به «متطلبات» المستقبل فكان سليل «العلوم» وأصيل «المعارف» ونبيل «المشارف» الذي صنع «الفرق» في فضاءات من «القرار» وإمضاءات من «الحسنى» أمام مرأى «اليقين».
إنه معالي الرئيس العام لتعليم البنات سابقاً القاضي والفقيه الدكتور عبدالملك بن عبدالله بن دهيش -رحمه الله- أحد القضاة ورجال التنمية والتعليم في الوطن.
بوجه «نجدي» تكسوه معالم «الزهد» وسمات «الود»، وملامح تتشابه مع والده القاضي الوجيه وتتكامل مع أخواله الأكارم، وعينان تسطعان بنظرات «الحكمة» ولمحات «الحنكة» وأناقة وطنية ترتدي «البياض» المسجوع ببهاء «الحضور» وزهاء «التواجد»، وشخصية وسطية «الرأي» عميقة» التعلم» ضليعة «الفهم» عامرة «الإحسان»، ولغة جهورية تتوارد من عمق «الشرع» إلى أفق «الفقه» وتتكامل بفصاحة بين ثنايا الحديث والتوحيد، وتتماثل بحصافة بين وميض «القضاء» وفيض «الإفتاء» وخبرة عريضة قوامها «التخطيط» ومقامها «التنفيذ»، قضى بن دهيش من عمره عقوداً وهو يؤصل «أسس» التدريس ويرسخ «فصول» الإنجاز، ويبرز مساعي «الفضائل» ويوظف دواعي «المكارم» ويحقق سبل «التربية» ويعلي راية «التوجيه» معلماً وفقيهاً وقاضياً ومسؤولاً وقيادياً، ملأ «الجانب المشرق» من الذاكرة وعطر «المتن المبهج» من المسيرة في شؤون راسخة من طيب «الأثر» وجميل «التأثير».
في «حائل» عروس الشمال الدرة الساطعة في عقد «الوطن» ولد في نهار شتوي وزع سطوع «البهجة» بين جبال أجا وسلمى، واختارت له أسرته الشهيرة بالتدين والالتزام اسم «عبدالملك» في استبشار بالمعنى وابتهاج بالمسمى، وامتزج توقيت «القدوم» بغيث «البركة» في فضاء «التهاني» وسط منزل أسرته العامر بالجود.
قضى بن دهيش سنواته الأولى بين أبناء «طي» متنفساً عبير «الكرم» ومنتظراً رحلة جديدة لأسرته نحو «الأحساء» التي أكمل فيها «تفاصيل» الترحال بمعية والده «الشهير» بين قومه بوجاهة السمعة وجميل «المقام»، والذي كان يتنقل عبر بوصلة «جغرافية» تحددها خارطة «الأمنيات» وتبرمجها وجهة «المهمات».
تلقى تعليمه الابتدائي بالأحساء في مرحلة زمنية أولى شكلت وجدانه «الغض»، ثم انتقل للدراسة في مدينة الخبر ثم المدرسة الرحمانية بمكة المكرمة وتخرج عام 1372هـ، وأنهى الدراسة المتوسطة والثانوية في المعهد العلمي السعودي بمكة المكرمة عام 1377هـ. ثم التحق بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة وحصل منها على درجة البكالوريوس عام 1382هـ، ولأنه مسكون بالعلا فقد نال درجة الماجستير عام 1409هـ عن تحقيقه لكتاب أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه للإمام محمد بن إسحاق الفاكهي، ثم نال درجة الدكتوراة عام 1421 هـ عن أطروحته المقدمة بعنوان الحرم المكي الشريف والأعلام المحيطة به دراسة ميدانية وتاريخية وفقهية، وواصل مهماته وإبداعاته «البحثية» حتى حصد درجة الأستاذية بمجموعة من الأبحاث أهمها أطروحته المقدمة بعنوان مصطلحات الفقه الحنبلي.
ارتهن في مراحل حياته وفي ميدان طلب العلم إلى التعلم على يد نخبة من العلماء الفضلاء ومنهم والده عبد الله بن عمر بن دهيش، وعبد الله خياط، ويحيى أمان مساعد رئيس المحكمة الكبرى بمكة، وحسن مشاط القاضي بالمحكمة الكبرى بمكة المكرمة والمدرس بالمسجد الحرام، وأحمد علي أسد الله مدير كلية الشريعة بمكة، وعلي الهندي المدرس بكلية الشريعة بمكة المكرمة والمدرس بالمسجد الحرام.
حصل ابن دهيش على إجازة علمية من والده في رواية الحديث عنه وعن مشايخه صديق خان وشريف حسين ومحمد بشير، وإجازة في السيرة النبوية والكتب العلمية من أبي الحسن الندوي وعلي الحسني الندوي، وإجازة في رواية كتب الحديث الصحيحين والسنن الأربعة ومسند الإمام أحمد وسنن الإمام البيهقي وسنن الدراقطني وسنن أبو داود الطيالسي من سيد صبحي البدري السامرائي، وإجازة في رواية الحديث وعلومه من عبد الله بن الصديق المغربي، وإجازة في الحديث وعلومه من محمد بن ياسين الفاداني وهو من علماء الحرم المكي. وحصل على شهادة تقدير من الملك خالد بن عبد العزيز في عام 1401 هـ على دوره في نشر العلم وإنارة الفكر النافع المفيد، وشهادة تقديرية لأعماله في الفكر الإسلامي ودراسته عن البلد الحرام من سوق الفسطاط للشعر والنقد بمصر. حصل على الزمالة الفخرية لعام 1995م لرابطة الأدب الحديث.
حياة عملية متنوعة قضاها بن دهيش في ميادين العلوم والمعرفة والنماء والتنمية حيث عمل في بداياته مدرسًا بالمدارس المتوسطة بوزارة المعارف بمكة المكرمة منتدبًا. ثم عمل في سلك القضاء ملازمًا قضائيًا بالمحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة، ثم قاضيًا بالمحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة، ثم مساعدًا لرئيس المحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة، ثم رئيسًا للمحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة. عمل في شئون الحرمين، حيث عين نائبًا للرئيس العام لشؤون الحرم النبوي الشريف بالمرتبة الممتازة بأمر ملكي. وعين رئيسًا عامًا لتعليم البنات بالمملكة العربية السعودية بمرتبة وزير بأمر ملكي.
أصدر ابن دهيش عدداً من «المؤلفات» ومنها الحرم المكي الشريف والأعلام المحيطة به وحدود المشاعر المقدسة: منى مزدلفة عرفات وحدود الصفا والمروة التوسعة الحديثة دراسة تاريخية فقهية، ورموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز للشيخ الرسعني: في ثمانية أجزاء وكتاب تحقيق كتاب أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه للإمام المحدث محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي، وأبو عبد الله المكي مؤرخ مكة في القرن الثالث الهجري ويقع في ستة مجلدات وتحقيق كتاب الأحاديث المختارة للمقدسي: في ثلاثة عشر مجلدًا ومعونة أولي النهي شرح المنتهي لابن النجار الفتوحي الحنبلي: في ثلاثة عشر مجلدًا وتحقيق كتاب شرح الزركشي على مختصر الخرقي: في أربعة مجلدات، وتحقيق كتاب جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن للإمام ابن كثير: في اثني عشر مجلداً. وتحقيق كتاب المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح للحافظ أبي محمد شرف الدين الدمياطي. وتحقيق كتاب الممتع شرح المقنع لأبي المنجي التنوخي في ست مجلدات. وتحقيق كتاب إرشاد أولي النهي لدقائق المنتهي للبهوئي. ومصطلحات الفقه الحنبلي: اعتمد فيه على علماء الحنابلة ومصطلحاتهم في مؤلفاتهم، ويقع في مجلد واحد.
انتقل ابن دهيش إلى رحمة الله يوم الخميس 10 شوال 1434 هـ، وصلي عليه في مكة المكرمة وووري جثمانه في ثراها الطاهر وشيع جنازته المئات من تلامذته ورفقاء دربه ومعارفه، وكتبت عنه العديد من «نصوص الرثاء» و»مقالات النعي» وتصدرت وفاته أخبار وسائل الإعلام التي استعرضت مآثره ومناقبه.
عبدالملك بن دهيش.. وجه المعارف صاحب الاسم الساطع بالمعروف والحقيق بالعرفان في قوائم «البارعين» ومقامات «المبدعين».

