لفتني الخميس الماضي تقرير مهم صادر عن مركز الأبحاث والمعلومات التابع للبرلمان الإسرائيلي، وطالعت عرضاً تميز بقراءة تحليلية لمضمونه على موقع محطة «مونت كارلو الدولية». جرى إعداد التقرير بطلب من المحامي جلعاد كاريف، رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب والشتات في «الكِنيست»، وهو الذي أطلق على الحقائق الخطيرة التي تضمنها التقرير، وصف «تسونامي بشري»، مستنداً إلى أن أعداد الإسرائيليين ذوي الكفاءات المتميزة، المغادرين لإسرائيل، هاربين إلى الأوطان التي قَدِموا منها، تثبت أنها تشهد «موجة نزوح عارمة»، وليس مجرد هِجرات متفرقة. فما خلاصة تلك الأرقام؟ وما الذي تبوح به ودفع كاريف كي يقرع أجراس خطر بهذا الحجم يحيق بحلم الحركة الصهيونية؟
حسناً، وفق المنشور على موقع «مونت كارلو الدولية»، فقد «أظهرت الأرقام المحدثة أن صافي ميزان هجرة المواطنين الإسرائيليين الذين غادروا البلاد لفترات طويلة، ارتفع من 59 ألف شخص عام 2022، إلى 125 ألف شخص في بداية الحرب، ليصل إلى 180 ألفاً في منتصف العام الحالي 2026». ويضيف التقرير أن «هذا التسونامي البشري - كما وصفه كاريف - لم يعد مجرد رد فعل مؤقت على الحرب؛ بل تحول إلى نزيف هيكلي يهدد العمود الفقري للاقتصاد والأمن القومي الإسرائيلي». الأخطر مما سبق أن التقرير يشرح بتفصيل دقيق جوانب على درجة عالية من الأهمية؛ منها، مثلاً، نوعية الكفاءات المهاجرة من إسرائيل: «فبينما كانت الهجرة سابقاً تشمل فئات متنوعة، تتركز الموجة الحالية على النخبة المُنتِجة. فقد غادر البلاد منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أكثر من 12 ألف مهندس وعامل في قطاع التكنولوجيا (هاي تِك)، وهو القطاع الذي يمثل 54 في المائة من الصادرات الإسرائيلية».
إضافة لما أورد تقرير الكنيست من أخطار الهجرة المعاكسة التي تواجه إسرائيل، يشير موقع «مونت كارلو الدولية» إلى أن «دراسة حديثة لجامعة تل أبيب حذرت من أن خسارة هؤلاء الكفاءات، بالإضافة إلى أكثر من 500 طبيب متخصص غادروا في العامين الأخيرين، تكلف الخزينة خسائر ضريبية مباشرة تقدر بـ2.2 مليار شيقل سنوياً»، ويختم بالاستنتاج التالي: «تواجه حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيلاً من الاتهامات بأنها لا تملك أي خطة لاستعادة العقول المهاجرة، بل إن «خطابها المتطرف» يدفع مزيداً من «العلمانيين والشباب المُنتِج نحو المطار»، وفقاً لتصريحات عضو الكنيست يفغيني سوفا، ما يرسم صورة قاتمة لمستقبل إسرائيل، لا يتمثل بأنه مجرد تحدٍّ ديمغرافي أو اقتصادي عابر؛ بل يدفع إسرائيل نحو أزمات أعمق تتجاوز الصراعات الأمنية لتطول البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة».
واضح مما تقدم أن الحروب التي شنتها إسرائيل منذ قيامها عام 1948 بزعم الدفاع عن وجودها، كانت دائماً لها ارتداداتها السلبية عليها. إنما بات واضحاً كذلك أن حرب «السيوف الحديدية»، كما يوصف ردُّها على هجوم «طوفان الأقصى»، والتي مارست خلالها فظاعات غير مسبوقة في الحروب الحديثة ضد المدنيين العزل، سوف تنتهي تداعياتها الداخلية إلى إثبات أنها كانت حرباً على إسرائيل نفسها. تفاصيل تلك التداعيات سيكشف عنها المستقبل، القريب منه والبعيد، والأرجح أنها قد تفاجئ كثيرين.

