: آخر تحديث

سوريا تحت ظلال الحرب

3
4
4

احتلت سوريا نقطة مركزية في اهتمامات إيران الاستراتيجية والسياسية على مدار العقود الخمسة الأخيرة، وبالتأكيد فإن الاهتمامات الإيرانية لا تقل أبداً عن اهتمامات إسرائيل بسوريا، التي تشغلها أدق التفاصيل والشؤون المتصلة بسوريا. وإضافة إلى ما سبق، فإن اهتمام الولايات المتحدة على اختلاف موقعها في العالم، واختلاف علاقاتها بالطرفين الإيراني والسوري، فإنها شديدة الاهتمام بالأخير، وهذا ما ظهر حاضراً إلى حد «المرض» بعد سقوط نظام الأسد، وولادة العهد السوري الجديد الذي يقوده الرئيس أحمد الشرع.

ومن الطبيعي أن تتأثر سوريا بانخراط الأطراف الثلاثة بحرب طاحنة على نحو ما يحدث، وأن تلقي الحرب ظلالها على سوريا بكل أبعادها الداخلية والخارجية، وانعكاساتها وتأثيراتها ونتائجها السياسية والاقتصادية والأمنية، وغيرها من ميادين.

ففي الداخل بدأت تلك الظلال تظهر مباشرة في تداعيات الحياة المعيشية التي لا تستند فقط إلى وقائع ارتفاع أسعار السلع والبضائع والخدمات، إنما إلى تعميق ما هو قائم من فقر وبطالة وتضخم... كما تظهر الآثار في القلق الذي تفرضه أجواء الحرب، وقد غدت سوريا في موقعها وموقفها ساحة لبعض مجريات الحرب، بينها سقوط صواريخ ومسيّرات وبقايا من الاثنتين، تسببت في سقوط جرحى وقتلى سوريين. وللأسباب السابقة وغيرها، فإن الحرب تلقي بأعبائها على السلطات السورية في الداخل، ومنها استقبال أعداد كبيرة من لبنان، بينهم سوريون ولبنانيون، تعجز الأوضاع السورية الراهنة في صعوباتها عن قبولهم والتعامل معهم بمرونة كافية.

وباستثناء الظلال المباشرة، فإن أعباء أخرى بدأت تتشكل مع استمرار العمليات العسكرية نتيجة تأثر شبكات الطرق الدولية البرية والبحرية والجوية، مما يعوق حركة البضائع والأشخاص، ويضرب برامج الإمدادات، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويدفع إلى موجة ولو محدودة من هجرة رؤوس الأموال والكفاءات المحلية... وكلها إلى جانب عناصر متصلة يمكن أن تعيد مسار تطور سوريا اللاحق إلى ما كان عليه من بؤس في أواخر أيام نظام الأسد البائد.

أما في المستويات الخارجية، فالأهم في ظلال الحرب أنها نقلت الموضوع السوري إلى هامش الأحداث، ودفعته خارج دائرة اهتمام الفاعلين الدوليين والإقليميين فيه، وهذا يجعله عرضة تأثيرات سلبية على مرحلة تمثل «الأهم» في خط التطور المستقبلي لسوريا، وأبرز ملفات سوريا المقبلة، وهي إعادة البناء وتطبيع الحياة السورية.

وثمة جانب آخر فيما تلقيه الحرب من أعباء على سوريا، وهو جانب أمني عسكري. ففي الحرب التي امتدت بصورة أوتوماتيكية إلى لبنان نظراً لوجود «حزب الله»، وهو ذراع إيران هناك وتابعها، ووسط تداعيات الحرب على العراق وفيه شبكة تناصر سلطة ملالي طهران؛ صار من الطبيعي أن تستنفر السلطات السورية قدراتها العسكرية والأمنية، ليس تحسباً من تدخلات أذرع إيران أو تسللها إلى سوريا فقط، بل منعاً لما يمكن أن تقدمه من دعم لفلول نظام الأسد، التي يمكن أن تتسلل، أو تجبر على النزوح من لبنان تحت ضغط الأوضاع اللبنانية الناتجة عن الحرب هناك.

خلاصة الأمر أن ظلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران فرضت ثقلها على سوريا داخلياً وخارجياً في المديين المباشر القريب وفي البعيد، وعلى أصعدة كثيرة، مما يتطلب من السلطات السورية أخذ استراحة مسؤولة، وإجراء تقييم عام للأوضاع جميعاً، وليس فقط الوقوف عند ظلال الحرب وما ينتج عن تداعياتها، ثم الانتقال إلى المهمة الأولى، وهي إعادة ترتيب السياسة السورية في توجهاتها، وفي علاقاتها، وفي أدواتها، ليس لأن الوضع السوري يتغير ويتبدل فحسب؛ إنما لأن الأوضاع الإقليمية والدولية تتغير. والوضع السوري، في ظل قدراته المحدودة، أقل من الصمود والتقدم في مواجهة عواصف عاتية سوف تسببها الحرب إذا استمرت أكثر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد