ستة صواريخ أطلقها «حزب الله» من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل، إسناداً لإيران في حربها مع أميركا وإسرائيل، أعادت لبنان إلى مرحلة ما قبل عملية «طوفان الأقصى» وحرب سبتمبر (أيلول) 2024، وما نتج عنهما من متغيرات وقرارات، أبرزها وصول سلطة جديدة إلى الحكم كان بمقدورها أن تنقل البلاد من واقع عمره نصف قرن إلى مرحلة واعدة.
انخراط «حزب الله» الكارثي في حرب «الإشغال والإسناد» بين 2023 و2024، وما نتج عنه من خسائر جسيمة في قيادته وقدراته، وتهاوي «حماس» جرّاء حرب غزة، وسقوط نظام الأسد الذي اقتلع إيران وحلفاءها من سوريا؛ أسهمت في اتخاذ السلطة اللبنانية الجديدة قرارات تاريخية غير مسبوقة، لو نُفذت لأعادت بناء الدولة، واستعادت القرار السيادي، وبسطت السلطة على الأراضي اللبنانية كافة.
بين 5 أغسطس (آب) 2025 و2 مارس (آذار) 2026، وصلت الحكومة اللبنانية بقراراتها حد الحظر الفوري للأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله»، واعتبرتها خارجة عن القانون بعد قرار حصر السلاح بيد الدولة، واحتكارها قرار الحرب والسلم، والإعلان عن سيطرة الجيش اللبناني وحده على جنوب نهر الليطاني، والمباشرة بالمرحلة الثانية من جمع السلاح شمال الليطاني.
الصواريخ الستة جعلت كل هذه القرارات حبراً على ورق، وأعلنت انخراط الحزب في الحرب مع إيران ضد إسرائيل وأميركا، وضمناً ضد الدول العربية الخليجية التي تتعرض للقصف الإيراني اليومي. ظهَّرت المشاركة في هذه الحرب أن الواقع اللبناني الواعد كذبة انطلت داخلياً وخارجياً معاً.
خمسة عشر يوماً جعلت قرارات الحكومة بشأن «حزب الله» كأنها لم تكن: قرار السلم والحرب بيد الحزب، وسلاحه يسرح ويمرح في أنحاء الأراضي اللبنانية. أما اعتبار أنشطته العسكرية والأمنية خارجة عن القانون فمجرد تعبير لغوي قانوني جذَّاب لا يمت إلى الواقع. نواب الحزب يتباهون في البرلمان، العناصر المسلحة في الشوارع والساحات وأماكن إيواء النازحين يمارسون سطوة علنية وكم الأفواه، والقضاء العسكري إذا تحرّك يصدر أحكاماً شكلية.
واقع بائس ووقائع مخيفة وخطيرة: سلطة عاجزة، حزب مسلح متفلت، حرب إسرائيلية وحشية غير محددة الأهداف والمدة، مئات الآلاف من النازحين، وقرى مهجرة وأخرى معرضة للتهجير. سياسيو الداخل مشغولون بالتمديد لأنفسهم وتمديد السياسات والممارسات نفسها وتكرار التجارب السابقة التي أدت إلى المأساة. انفصال عن الواقع بوعي أو دون وعي للمخاطر غير المسبوقة التي تُهدد لبنان حاضراً ومستقبلاً. وأخيراً، تخلٍّ عربي، وعزلة دولية، خاصة أميركية.
إلى أين بعد هذه الوقائع؟ وهل يمكن اعتبار المبادرة الرباعية التي أطلقها رئيس الجمهورية مخرجاً صالحاً من المأساة؟ المبادرة تقوم على «إرساء هدنة كاملة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتقديم الدعم اللوجيستي الضروري للقوى المسلحة اللبنانية وسيطرتها على مناطق التوتر، ومصادرة سلاح (حزب الله) ومخازنه ومستودعاته وفق المعلومات المتوفرة، وبشكل متزامن، يبدأ لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دولية، لتنفيذ تفاصيل كل ما سبق».
لو أعلنت المبادرة منذ سنة وقبل تهاوي مصداقية لبنان والثقة فيه، لكانت أكثر قابلية للتلقي أميركياً وإسرائيلياً. أما اليوم، فهي بحاجة إلى مضامين تفصيلية لعناوينها العامة. أول ما ينبغي حسمه هو مسألة وقف النار، إذ جاءت الصيغة المقترحة «الكامل» وليس «النهائي»، وهو تعبير تجاوزه الزمن.
المطلوب اليوم هدنة دائمة ونهائية تنهي فكرة المقاومة المسلحة، وتعلن الخروج النهائي من الصراع العسكري مع إسرائيل. المسألة الثانية تتعلق بسقف المفاوضات المتفق عليه لبنانياً: هل يقتصر على وقف النار والانسحاب الإسرائيلي، على أن يبحث نزع سلاح الحزب لاحقاً؟ أم يتم الأمران بالتزامن؟ وهل ثمة تفاهم معلن مع الرئيس نبيه بري بشأن تركيبة الوفد المفاوض ونزع سلاح الحزب والهدنة الدائمة وترسيم الحدود بما فيها مزارع شبعا؟ النافر هو نقص المبادرة للبُعد العربي، بحيث لا يزال الانطباع أن لبنان يقف بين إيران والعرب، في وقت يجب حسم الموقف نهائياً بالانضمام إلى المحور العربي دون تردد، وإعادة تركيز الوجهة، لأنه لا خيار للبنان بعد اليوم غيره. الحقيقة التي كشفتها الأيام الماضية قاسية وواضحة: الدولة اللبنانية تواصل شراء الوقت. لم يعد ممكناً الاستمرار في ازدواجية المواقف حمّالة الأوجه، أو تسويق مظاهر السيادة فيما القرار الفعلي خارج الدولة. الأخطر أن هذا الوهم يتكشف في لحظة إقليمية ودولية شديدة القسوة: حرب مفتوحة على إيران، وغموض فيما تريده أميركا وما هو ممكن فعلاً، وإسرائيل تستعد لترتيب مرحلة ما بعد الحرب وفق مصالحها الأمنية. وفي المقابل، تتبلور رؤية عربية جديدة للأمن الإقليمي بعد صدمة إيران وخفوت نفوذها. لم يعد كافياً تصنيف أنشطة «حزب الله» العسكرية والأمنية وحدها خارجة عن القانون، بل السياسية أيضاً، ولم تعد العناوين العريضة كافية كذلك، بل هدنة دائمة ونهائية تنهي المقاومة المسلحة، وتعيد قرار الحرب والسلم إلى الدولة وحدها.

