: آخر تحديث

... عن استضافة اللبنانيّين إلى موتهم

4
4
4

تزداد تعابيرُ الاستياءِ والغضبِ التي يبديها لبنانيّون ولبنانيّاتٌ حيالَ أفرادٍ عربٍ وأجانبَ ينوبونَ عنهم في تحليل أوضاعِهم، ثمّ في تقرير مصائرهم.

فلبنانُ، وفقَ هذه النظرة التي «تمثّله» غصباً عن تكوين مجتمعه وآراء أبنائه ومدى رغبتهم في تقبّل الموت، مرّة بعد مرّة بعد مرّة، بنفوس راضية مرضيّة، لا يعدو كونه ساحة لمقاومة إسرائيل والتصدّي لها.

هكذا يُحكم على أكثريّة لبنانيّة كبرى بالمحو والتجهيل، لا بوصفها فاعلاً سياسيّاً فحسب، بل أيضاً كبشرٍ أحياء. وحين يظهرُ من يقول الكلام البديهيّ من أنّه كانَ في الوسع تجنّب حربي الإسناد، وتجنّب النكبة بالتالي، يقال له تلقائيّاً إنّ الشرَّ الإسرائيليَّ كانَ لنا بالمرصاد بغضّ النظر عمّا يُفعل.

وهذا ليس جديداً على لبنانيّين سبق أن طحنتهم حروبٌ بين المقاومة الفلسطينيّة وإسرائيل، فكانَ الذين يرفضون استضافة الموت يوصمون، بمئات آلافهم، بالخيانة والعمالة، فضلاً عن القراءة المغلوطة لطبيعة الصراع الدائر مع كيان استعماريّ واستيطانيّ.

وفي السابق قيل آلافَ المرّات إنّ أحداً ليس متيّماً بإسرائيل، وإنّ توحّشها في حروبها يضاعف المسافةَ عنها وعن القيم التي تحكمها. لكنْ أيضاً قيل آلاف المرّات إنّ لبنان ينبغي ألاّ يسمح لأيّ طرف، لبنانيّاً كان أم فلسطينيّاً أم غير ذلك، بالتحوّل إلى ميليشيا مسلّحة تقرن استبدادها باللبنانيّين بتجاوزها الحدود الدوليّة، وبجعل العدوان الإسرائيليّ، من ثمّ، عملاً دفاعيّاً. وهذا فضلاً عن إمعانها في تصديع المجتمع اللبنانيّ وانتهاك الدولة اللبنانيّة واحتمالات إصلاحها.

وهنا يُفهم المَيْلان اللذان لا يعوزهما الوضوح واللذان تنطوي الوطنيّة اللبنانيّة عليهما: من جهة، رفض الميليشيات التي تجرّنا إلى نزاعات عابرة للحدود تستدعي إسرائيل إلينا، ومن جهة أخرى، رفض تذويب المشكلة اللبنانيّة في مشاكل أخرى وغايات آخرين. فمن هذا القبيل كان العداء لـ«وحدة المسار والمصير» الأسديّة، ثمّ لـ«وحدة الساحات» الخمينيّة.

وهذا، كما نعلم، سجال قديم ودائم يصعب أن يضاف إليه حرف جديد. لكنّ ما يحمل على شيء من التأمّل بعض مصادر ذاك الوعي الذي لا يكفّ عن استضافتنا إلى الموت.

فالوعي هذا، في جذر عميق من جذوره، لا يقيم كبير وزن للأوطان بوصفها دولاً أمماً، مُطبّقاً عليها «تحليلاً» يمكن تطبيقه على أيّ وطن. وبهذا «التحليل» تتحكّم مفاهيم المقاومة/ التحرير، الاستعمار/ الاستقلال، الكرامة والشرف/ الذلّ والخنوع... وإذا كان في هذا التصوّر العابر للأوطان ما يشي ببُعد إمبراطوريّ ضامر، فإنّ البُعد هذا كثيراً ما يتجسّد في نظرة إلى السياسة تعطى الأولويّة فيها للحملات والحشود والتضامن على الرأي واشتغال المؤسّسات.

والوعي المذكور، إذ يمثّل وطنيّةً بلا أوطان، فإنّ وطنيّته هذه ناجزة مكتملة لأنَّ تعريفها (العداء للاستعمار الخ...) برّانيّ، يُفترض أن ينضويَ فيه «الشرفاء» جميعاً. أمَّا الوطنيّة الفعليّة بوصفها مشروعاً للمستقبل قد ينجح وقد يفشل، فنجاحه يتطلّب كلَّ ما يناقض تلك الوطنيّة البرّانيّة ويعاكس أفعالها. فهنا، نكون في أمسّ الحاجة إلى بناء متواصل للتسوية بين الجماعات، وتالياً إلى مناخ يحدّ من البُعد الآيديولوجيّ في اجتماعها الوطنيّ، كما يساهم في خفض التوتّر الإقليميّ وسياسات المحاور. ذاك أنَّ فائضَي الآيديولوجيا والتوتّر يُضعفان ذاك الاجتماع لصالح الولاءات الأهليّة الخام.

إلى هذا، هو وعي هاجسه القوّة، أعبّرت عن نفسها بـ«المقاومات» و«الشهادة» أو بـ«الخطط الدفاعيّة» أو بغير ذلك. وديانة القوّة، في بلد كلبنان، هي، في أحسن أحوالها، طريق إلى بناء مجتمع عسكريّ قامع تمكّن لبنان من النجاة منه. أمّا في أسوأها، وهو الأشدّ ترجيحاً والأكثر حضوراً في حياتنا، فطريق إلى غابة الاحتراب الأهليّ والطائفيّ.

وهو وعي متصالح، برغبة منه أو من دون رغبة، مع فكر متخلّف وبدائيّ لا بدّ من السكوت عنه في ظلّ «التحرّر الوطنيّ». لكنّ «التحرّر الوطنيّ» هذا، ووفقَ تجربتنا في المنطقة كلِّها وليس في لبنان وحدَه، لا يستغرق سنوات، أو عمر جيل من الأجيال فحسب، بل يستهلك أعمار أجيال بعد أجيال في بازار مفتوح متاح لكلّ من يشاء.

وأخيراً، هو وعي تسكنه مشاعر ذنب كثيرة حيال فلسطين لأنّ حامليه لم يستطيعوا أن يقدّموا لها شيئاً ما عدا الجعجعة الكلاميّة. والراهن أنّ أكثريّة اللبنانيّين تعافَت من هذه المشاعر، ليس لأنّها تشكّك بالحقّ الفلسطينيّ، بل لإحساسها بأنّها تكبّدت، في معاركه، أكثر ممّا تستطيع، بل أكثر ممّا تملك. وقد تحوّل بلدها بذريعة «القضيّة» ساحة لعبث القوى الإقليميّة الطامعة. وهذا جميعاً ما بات يزكّي رغبة عارمة في الاستقلال عن الحروب والمواجهات، واستعادة السياسة إلى حيث ينبغي أن تكون، أي إلى الداخل الوطنيّ.

وبحسب تجارب الماضي الأليم، لا يُستبعد أن نجد أنفسنا، بعد زمن قصير، حيال بعض ممثّلي هذا الوعي، وهم يقفون فوق المقابر الجماعيّة والأراضي المحتلّة والبيوت المهدّمة وقوافل النازحين المشرّدين، ويصدرون «نقداً ذاتيّاً» يقولون فيه إنَّ فهم المعطيات والواقع الملموس قد فَاتَهم مرّةً أخرى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد