قراءةُ التراثِ القديم ليست عودةً إلى الوراء، بل هي تقدُّمٌ إلى العمق. ليست حنينًا إلى زمنٍ انقضى، بل حوارًا مع زمنٍ لم ينقضِ فينا بعد. فالتراث، في جوهره، ليس كتبًا مصفوفة على رفوف الغبار، ولا مخطوطاتٍ أكلت أطرافها الرطوبة، بل هو ذاكرةُ الأمة حين تستيقظ، وضميرُها حين تُحاصَر، وسؤالُها حين تتشظّى أمام رياح الحداثة.
حين نفتح صفحةً من البيان والتبيين للجاحظ، لا نقرأ نصوصًا فحسب، بل نقرأ عقلًا عربيًا يتشكّل في لحظةٍ حضاريةٍ كثيفة؛ عقلًا يُدرك أن البلاغة ليست زينةَ لسان، بل هندسةُ فكر، وأن البيان ليس لفظًا يُحسَّن، بل رؤيةٌ للعالم تُصاغ. وحين نتأمل المقدمة لابن خلدون، فإننا لا نطالع تاريخًا فحسب، بل نطلّ على محاولةٍ مبكرةٍ لتأسيس علمٍ للعمران البشري، وكأن الرجل كان يرى في التاريخ قوانينَ خفيةً تحكم صعود الدول وسقوطها، قبل أن تُصاغ نظرياتُ الاجتماع الحديثة بقرون.
إن قراءة التراث ليست استظهارًا للماضي، بل مساءلةٌ له. نحن لا نعود إلى النصوص القديمة لنتحصّن بها ضد الحاضر، ولا لنلوذ بها هربًا من أسئلته، بل لنفهم كيف كان الأوائل يفكّرون في أسئلتهم هم، وكيف صنعوا من اللغة أداةَ اكتشافٍ لا أداةَ تكرار. التراث ليس يقينًا مغلقًا، بل تجربةٌ إنسانية مفتوحة، تتطلب قارئًا حيًّا، لا حافظًا جامدًا.
والقارئُ الحيُّ هو الذي يدرك أن النص القديم وُلد في سياقٍ ثقافيٍّ وسياسيٍّ ومعرفيٍّ مخصوص، وأن فهمه يقتضي استحضار ذلك السياق دون أن يُسجَن فيه. فالقراءة الواعية تُقيم مسافةً نقدية بيننا وبين النص؛ مسافةً لا تعني القطيعة، بل تعني القدرة على الرؤية. نقرأ دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني فنكتشف أن نظرية النظم لم تكن مجرد تنظير بلاغي، بل كانت بحثًا في سرّ العلاقة بين المعنى والبنية، بين الفكرة وشكلها، وكأن الجرجاني كان يؤسس لما سيُسمّى لاحقًا في النقد الحديث ببنية النص.
إن أخطر ما يهدد قراءة التراث هو تحويله إلى تمثالٍ مقدّس، يُزار ولا يُناقش، أو إلى مادةٍ مدرسيةٍ تُحفظ ولا تُفهم. حين يتحوّل التراث إلى شعارٍ أيديولوجي، يفقد حيويته؛ وحين يُختزل في ماضويةٍ عاطفية، يُختطف من مجاله المعرفي إلى ساحة التوظيف. القراءة الأدبية الحقّة تُعيد النص إلى حيويته الأولى، تُنصت إلى صوته، وتسمح له بأن يُفاجئنا، لا أن نُخضعه لما نريد أن نسمع.
لقد كان التراث العربي ساحةَ جدلٍ لا ساحةَ صمت. فيه المعتزليُّ والأشعري، فيه الفيلسوف والمتكلم، فيه الشاعر الصعلوك وشاعر البلاط، فيه الحكيم والزاهد والساخر. إننا حين نقرأ هذا التنوع ندرك أن هويتنا لم تكن يومًا أحادية الصوت، بل كانت تعدديةً تتنازعها الأسئلة. قراءة التراث بهذا المعنى تُحرّرنا من وهم الصفاء المطلق، وتُعلّمنا أن الاختلاف جزءٌ من تاريخنا لا طارئٌ علينا.
والتراث ليس عربيًا فحسب، بل إنسانيٌّ في جوهره. حين نتأمل كتب الفلسفة الإسلامية، أو نصوص الرحّالة، أو دواوين الشعراء، نرى تفاعلًا مع حضاراتٍ أخرى، وترجمةً، وتأويلًا، وإضافةً. لم يكن الأوائل يخافون من الآخر، بل كانوا يحاورونه، يُترجمون علومه، ويناقشون أفكاره، ويعيدون صياغتها بلغتهم. قراءة التراث إذن تعلّمنا أن الهوية ليست جدارًا، بل جسرًا.
وفي زمنٍ تتسارع فيه المعارف وتتبدّل المفاهيم، تبدو العودة إلى التراث فعلًا مضادًا للسطحية. فالنصوص القديمة تتطلب صبرًا، وتأملًا، وإعادة قراءة. إنها تُبطئ إيقاعنا، وتُعيد إلينا فضيلة التدرّج في الفهم. وفي هذا البطء حكمة؛ لأن الفهم العميق لا يولد في العجلة، بل في المكابدة.
غير أن قراءة التراث لا تعني أن نُعيد إنتاجه كما هو، بل أن نُعيد قراءته بعيون عصرنا. إننا لا نستطيع أن نقرأ ابن خلدون بعين القرن الرابع عشر فقط، بل بعين القرن الحادي والعشرين أيضًا؛ لا لنُسقِط عليه مفاهيمنا قسرًا، بل لنرى ما الذي ما زال حيًّا فيه، وما الذي تجاوزه الزمن. القراءة الواعية تفرّق بين الثابت والمتغير، بين القيم الكبرى التي تصمد، والتصورات التي كانت ابنة زمانها.
إن التراث مرآة، لكن المرآة لا تعكس الماضي وحده، بل تعكس وجه القارئ أيضًا. كل جيلٍ يقرأ تراثه بطريقته، ويجد فيه ما يُشبهه أو ما يُقلقه. ولهذا يبقى التراث حيًّا ما دام يُقرأ. فإذا انقطع عنه السؤال، مات فينا وإن بقيت كتبه في المكتبات.
قراءة التراث القديم، في جوهرها، فعلُ وفاءٍ لا فعلُ تبعية؛ وفاءٌ لذاكرةٍ صنعت لغتنا، وصاغت مفاهيمنا، وبنت أفقنا الجمالي والمعرفي. لكنها أيضًا فعلُ شجاعة؛ شجاعةُ أن نسأل، وأن نُعيد النظر، وأن نعترف بأن الماضي ليس مقدسًا لذاته، بل لقدرته على أن يُنير حاضرنا.
ومن يقرأ تراثه بوعيٍ، لا يُثقَل به، بل يتقوّى به. لا يُقيّده، بل يُحرّره. لأن التراث، حين يُفهم، يتحوّل من عبءٍ على الكتفين إلى نورٍ في الطريق.

