هذا ما أراه: عالمٌ يتقدّم بسرعة هائلة نحو الاعتماد الكامل على الشبكات، حتى صار وجودها بديهياً كوجود الهواء، لكن التاريخ يعلّمنا أن كل منظومة بشرية، مهما بلغت قوتها، تحمل في داخلها لحظة هشاشتها.
السؤال لم يعد: هل يمكن أن تتعطّل المنظومة الرقمية؟ بل: ماذا سيحدث لو تعطّلت فجأة، ولو لساعات فقط؟
نحن نعيش اليوم في اقتصاد افتراضي أكثر مما نظن. أموال، اتصالات، تجارة، معرفة، وحتى علاقات إنسانية كاملة، أصبحت تمر عبر طبقة رقمية رقيقة. هذه الطبقة تبدو صلبة لأنها واسعة الانتشار، لكنها في الحقيقة تعتمد على بنية معقّدة: كهرباء، أقمار صناعية، كابلات بحرية، خوادم عملاقة، وبرمجيات تتحكّم في كل ذلك. أي خلل كبير في هذه السلسلة ليس مجرد عطل تقني؛ إنه زلزال حضاري.
في الحروب الكبرى أو الأزمات الشاملة، أول ما يُستهدف عادة هو الاتصال. ليس لأن الاتصال رفاهية، بل لأنه العمود الفقري للسيطرة الاقتصادية والسياسية. إذا انقطعت الشبكات، تصبح الأرصدة أرقاماً معلّقة بلا معنى، والتجارة تتباطأ فوراً، وسلاسل الإمداد تتعطّل. القيمة عندها تعود إلى أصلها الأول: الماء، الغذاء، الأرض، والمهارات الواقعية التي لا تعتمد على شاشة.
وهنا تكمن المفارقة المرعبة: كثير من الناس اليوم يمتلكون ثروة رقمية هائلة، لكنهم لا يمتلكون مهارات بقاء أساسية. إنسان قد يملك محفظة استثمارية ضخمة، لكنه عاجز عن توفير احتياجاته الأساسية إذا توقّفت الخدمات. الحضارة الحديثة اختصرت المسافة بين الحاجة وتلبيتها، لكنها في المقابل أضعفت قدرة الفرد على التعامل مع الطوارئ.
هذا لا يعني أن العالم الرقمي هش بالكامل أو أنه سينهار غداً، بل يعني أن الإفراط في الاعتماد عليه دون توازن قد يجعل الصدمة أشد إذا وقع خلل كبير. الدول المتقدمة نفسها بدأت تعيد التفكير في الأمن الغذائي، الطاقة المحلية، والاحتياطات الاستراتيجية. ليس خوفاً من انهيار حتمي، بل إدراكاً أن المرونة أهم من السرعة.
هناك بُعد نفسي أيضاً، الشاشات ليست فقط وسيلة عمل، بل نافذة الإدراك. إذا اختفت فجأة، سيشعر كثيرون بفراغ معرفي هائل. الأخبار، التوجيهات، حتى الإحساس بالانتماء الاجتماعي، أصبح مرتبطاً بالمنصات. غيابها المؤقت قد يخلق ارتباكاً نفسياً يفوق الأثر الاقتصادي.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. التاريخ يُظهر أن المجتمعات التي تجمع بين التقنية والجذور الواقعية تكون أكثر قدرة على الصمود. التقنية تمنح كفاءة هائلة، والجذور تمنح استقراراً. المشكلة ليست في التقدم، بل في فقدان التوازن.
ما أراه ليس نبوءة كارثية، بل تحذيراً هادئاً: لا تجعل كل شيء افتراضياً، امتلك أصولاً ملموسة، مهارات عملية، وعلاقات إنسانية حقيقية خارج الشاشة. فالعالم الرقمي، بالرغم من روعته، طبقة إضافية للحياة وليست الحياة نفسها.
في النهاية، السؤال ليس إن كانت الشاشات ستنطفئ يوماً، بل: هل نحن مستعدون نفسياً وعملياً لاحتمال كهذا؟ الحضارات لا تنهار فجأة عادة، لكنها تتعثر عندما تنسى أساسها الواقعي. والتوازن بين الواقع والافتراض لم يعد خياراً فلسفياً، بل ضرورة استراتيجية.
قد يستمر كل شيء كما هو لعقود وقرون، وربما يحدث خلل كبير في لحظة غير متوقعة. لكن الحكمة تقتضي الاستعداد دون هلع، وبناء عالم رقمي قوي دون التفريط بالجذور الواقعية. لأن القيمة الحقيقية، في نهاية المطاف، ليست فيما يظهر على الشاشة، بل فيما يبقى عندما تنطفئ.

