: آخر تحديث
من "باكستاني متسعود" إلى "سفر الخروج":

التحالف الرباعي كاستجابة استراتيجية لتحولات النظام الدولي

5
6
6

 

قبل سبع سنوات، في فبراير 2019، كتبتُ مقالاً بعنوان "ليست مجرد زيارة"، مستلهماً المشاهد الإنسانية العميقة خلال زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى باكستان الشقيقة.
كان أبرزها ذلك التفاعل النبيل حين طلب رئيس الوزراء عمران خان حسن معاملة العمالة الباكستانية، فرد سموه بجملة خالدة:
«اعتبرني سفيراً لباكستان في المملكة».

كما عبّرت مبادرة سموه بإنشاء مركز صحي باسم الشهيد فرمان علي خان – الذي ضحّى بحياته أثناء إنقاذ ضحايا سيول جدة – عن عمق العلاقة بين المجتمعين، لا مجرد الحكومتين.

بدت تلك اللحظات إنسانية في ظاهرها…
لكنها حملت في جوهرها دلالة أعمق:
أن العلاقة السعودية – الباكستانية ليست ظرفية، بل ممتدة في البنية الشعورية والاستراتيجية معاً.

وهكذا استعدتُ، بفخر، لقب "باكستاني متسعود" الذي أطلقه عليّ قارئ قديم — لقبٌ اكتسب اليوم أبعاداً تتجاوز البعد الإنساني إلى أفقٍ جيوسياسي أوسع.

من البعد الإنساني إلى التشكّل الاستراتيجي

ما بدأ كدعوة أخلاقية للتعامل الكريم مع جالية عزيزة، يكشف اليوم عن تحولات أعمق في طبيعة التعاون بين البلدين.
فالعلاقة لم تعد محصورة في:
• الاستثمار
• العمالة
• الدعم السياسي

بل اتجهت نحو مجالات أكثر حساسية مثل:
• التنسيق الدفاعي
• التكامل الأمني
• توسيع خيارات الردع الاستراتيجي

ما بدأ كدعوة إنسانية للتعامل الكريم مع جالية عزيزة، يكشف اليوم عن محور عسكري وسياسي أساسي في المنطقة. في ظل تحول النظام العالمي من أحادية القطب الأميركية إلى تعددية الأقطاب، مع صعود الصين وروسيا كحلفاء اقتصاديين وأمنيين، وتراجع نمط الهيمنة الأحادية (Allison, 2017; Walt, 2018)، أثبتت سياسات الاحتواء والردع الأحادي فشلها، مخلفةً صراعات بالوكالة، واقتصادات مستنزفة، وفراغاً قيادياً إقليمياً. وقد تجاوزت تكلفة النزاعات منذ عام 2001 تريليونات الدولارات (Costs of War Project, Brown University).

فالتعاون لم يعد محصوراً في:
• الاستثمارات
• العمالة
• الدعم السياسي المتبادل

بل امتد إلى:
• التنسيق الدفاعي
• التكامل الأمني
• بناء قدرات ردع مشتركة

وهي تحولات تتماشى مع الاتجاه العالمي نحو تكتلات إقليمية أكثر استقلالاً في ظل نظام دولي يتجه تدريجياً نحو التعددية القطبية، مع صعود قوى مثل الصين وروسيا، وتراجع نمط الهيمنة الأحادية الذي طبع مرحلة ما بعد الحرب الباردة بقيادة الولايات المتحدة (Allison, 2017; Walt, 2018).

وقد أثبتت العقود الماضية محدودية نماذج الاحتواء والردع المنفرد، التي خلّفت صراعات بالوكالة واستنزافاً اقتصادياً واسعاً، بلغت تكلفته تريليونات الدولارات منذ عام 2001، وفق مشروع Costs of War بجامعة براون.

من فكرة إلى إطار: مشروع "سفر الخروج"

هنا يبرز دور التحالف الرباعي الذي أطرحه في كتابي الجديد "سفر الخروج"، والذي لم يعد مجرد فكرة نظرية، بل يتبلور على الأرض. في عام 2017، كنت قد طرحت تصوراً نظرياً لتحالف سياسي-استراتيجي بين السعودية وتركيا وإيران، كقوى إسلامية قادرة على إعادة تشكيل التوازن الإقليمي من الداخل، بعيداً عن التحالفات العمودية التقليدية.

وقد تخيّلت هذا التحالف رمزياً كطائر عظيم:
• تركيا وإيران جناحاه القويان،
• والسعودية قلبه النابض.

اليوم، تكتمل الصورة بإضافة باكستان كعضد استراتيجي وعسكري. فبعد الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في 9 سبتمبر 2025، الذي استهدف قيادات حماس في انتهاك صارخ لسيادة قطر، لم تتوانَ باكستان عن الإعلان عن دعم قوي، ثم تُوِّج ذلك بتوقيع الاتفاقية الدفاعية المشتركة الاستراتيجية (Strategic Mutual Defence Agreement) بين السعودية وباكستان في 17 سبتمبر 2025 بالرياض، والتي تنص على أن "أي عدوان على إحدى الدولتين يُعتبر عدواناً على كلتيهما"، مع تلميحات رسمية باكستانية بأن برنامجها النووي "سيكون متاحاً" للمملكة عند اللزوم، في ردع واضح لأي مغامرات إقليمية.

فباكستان ليست فقط دولة كبرى في العالم الإسلامي، بل تمتلك:
• عمقاً جيوسياسياً
• وزناً سكانياً
• قدرات استراتيجية مؤثرة

وهو ما يجعلها شريكاً محورياً في أي منظومة أمن إقليمي ناشئة.

التحالف الرباعي: منطق المصالح لا العاطفة

هذا التحالف الرباعي (سعودي-باكستاني-تركي-إيراني) ليس مبنياً على العاطفة وحدها، بل على تحليل بارد للمكاسب والمخاوف الاستراتيجية:

  1. المملكة العربية السعودية (القلب النابض):
    مكاسبها واضحة: تنويع التحالفات بعيداً عن القطب الأميركي الواحد، والانضواء تحت مظلة ردع نووية باكستانية رديفة، وفتح أسواق واعدة، وتأمين حدودها وممراتها المائية. مخاوفها الأكبر هي بقاؤها في مرمى الصراعات من دون غطاء استراتيجي حقيقي، أو أن تظل ساحة للصراعات بالوكالة بين القوى الإقليمية.

  2. إيران (أحد الجناحين):
    هي جزء لا يتجزأ من المعادلة الجيوسياسية للشرق الأوسط. مكاسبها من التحول هائلة: فك عزلتها الإقليمية عبر بوابة المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، وتحويل تنافسها مع دول الخليج من صراع وجود إلى تنافس في إطار تحالف أوسع يخدم استقرار المنطقة. مخاوفها من الاستمرار في سياسة المواجهة المكلفة، والبقاء تحت وطأة العقوبات والضغوط الدولية.

  3. تركيا (الجناح الآخر):
    كقوة إقليمية صاعدة وعضو في الناتو، تسعى لأن تكون لاعبة أساسية في رسم مستقبل المنطقة. مكاسبها تتمثل في تأمين مصالحها في سوريا وشرق المتوسط ضمن تحالف يمنحها وزناً استراتيجياً أكبر، ويحميها من أي عزلة أو مواجهة منفردة مع إسرائيل أو غيرها. مخاوفها من تصاعد النفوذ الإسرائيلي في شرق المتوسط، ومن تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح يهدد أمنها القومي.

  4. باكستان (العضد والرديف):
    هي دولة نووية، ويُقدَّر عدد سكانها في أوائل عام 2026 بنحو 257.7 إلى 259 مليون نسمة، مما يجعلها خامس أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، إذ تشكل حوالي 3.12% من إجمالي سكان العالم. وهي حليف الأمس واليوم. مكاسبها من هذا التحالف هي خروجها من عباءة "الحليف الخلفي" إلى شريك مؤسس في صياغة الأمن الإقليمي، بما يخدم توازنها الدقيق مع الجارة الهند، ويؤمن لها عمقاً استراتيجياً في العالمين العربي والإسلامي. مخاوفها تكمن في أن تظل الورقة الرابحة في لعبة الكبار من دون أن يكون لها مقعد على طاولة القرار.

هذه الدول تمثل مزيجاً فريداً من القوى:
• السعودية: مركز الثقل الاقتصادي والروحي.
• تركيا: القوة الصناعية والعسكرية.
• إيران: العمق الجغرافي والاستقلال الاستراتيجي.
• باكستان: الثقل الديموغرافي والقدرات الردعية (بما فيها النووية).

هذا التحالف الرباعي الذي أدعو إليه هو التجسيد العملي لفرضية كتابي. فمع تراجع الدور الأميركي التقليدي، وبروز نجم الصين وروسيا كحلفاء اقتصاديين وأمنيين بديلين، وصعود إسرائيل كقوة متشددة تسعى لفرض واقع إقليمي جديد، أصبحت المقاربة الأمنية القديمة غير مجدية. هذه التحالفات الجديدة ليست مجرد أحلاف عابرة، بل هي تحول جيوسياسي عميق نحو الاعتماد على الذات وبناء أنظمة أمنية إقليمية مشتركة.

لذا فإن مشروع "سفر الخروج" هو دعوة للانتقال من ثقافة الردع الفردي إلى الأمن المشترك، ومن التبعية إلى الشراكة. إنه استشراف لمستقبل تكون فيه المنطقة قادرة على حماية نفسها، وصنع توازناتها، وأن تكون فاعلاً في النظام العالمي الجديد، لا ساحةً لصراعات الآخرين.

وأخيراً، وكما قال سمو ولي العهد: "باكستان بلد عزيز على جميع السعوديين.. عملنا معاً في أوقات صعبة وأوقات جيدة، وسنكمل العمل معاً".

هذا العمل لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية، في رحلة الخروج من "تيه" الصراعات إلى "أرض الوعد" بالسلام والازدهار.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.