: آخر تحديث

حين ينام الكنز ويستيقظ البخل

5
5
5

في المدن التي تتباهى بناطحاتها، وتلمع واجهاتها بزجاجٍ يَعِدُ بالرفاه، تعيش فئةٌ عجيبةٌ من الناس: أثرياء يملكون مفاتيح الخزائن، لكنّهم فقدوا في الطريق مفتاح الجيب. تراهم يبتسمون للكاميرات بابتسامةٍ عريضةٍ، لكن جيوبهم تضيق حتى عن فكة الريال.

الأثرياء البخلاء ظاهرةٌ تستحق أن تُدرَّس لا في كليات الاقتصاد، بل في أقسام علم النفس العميق، وربما في متاحف الطرائف البشرية. فهم أكثر الناس خوفاً من الفقر، بالرغم من أنهم محاطون به من كل جانب، أعني محاطون بنقيضه.

إنّ الغني الكريم يعطي لأنه يشعر بالامتلاء، أما الغني البخيل فيقبض لأن داخله فراغٌ يتسع كلما امتلأ حسابه البنكي. هو لا يجمع المال ليعيش، بل يعيش ليجمع، حتى يتحول المال من وسيلةٍ إلى صنمٍ صغيرٍ يعبده في صمتٍ، ويطوف حوله كل مساء.

تأملوا، على سبيل المثال، ذلك الثري الذي يناقش فاتورة القهوة كما لو كانت صفقةً نفطيةً، ويحسب خصم المطعم كما يحسب الفلكي حركة المذنبات. هذا الرجل قد يدفع ملايين في صفقةٍ واحدةٍ دون أن يرفّ له جفن، لكنه قد يدخل في نوبة قلقٍ وجودي إذا طلب منه صديقه أن يحسبها عليه هذه المرة.

ومن طرائفهم أنك إذا زرت أحدهم في بيته المنيف، استقبلك بكرمٍ لفظيٍّ أسطوري: البيت بيتك واللي تبيه يصير!

ثم يقدّم لك بكل فخر قهوةً محسوبةً بالقطّارة، وتمراً بعددٍ يخضع لرقابةٍ غير معلنة.

البخيل الثري ليس فقيراً في المال، بل في الطمأنينة. هو حارسٌ متوترٌ لكنزه، ينام بعينٍ مفتوحةٍ على تطبيق البنك، ويستيقظ مذعوراً من إشعارٍ لا يتجاوز خصم خمسة ريالات. ولو سألته: لِمَ كل هذا الحرص؟ لأجابك بوجه الحكيم:

الزمن غدّار!

وكأن الزمن ينتظر تحديداً حسابه هو ليشنّ عليه الغارة الكبرى.

والأعجب أن بعضهم يتحدث عن الإدارة المالية الذكية بينما هو في الحقيقة يمارس رياضة الهروب من الاستحقاقات الاجتماعية. يختبئ خلف شعارات الادخار كما يختبئ طفلٌ خلف ستارةٍ شفافةٍ، ظانّاً أن أحداً لا يراه.

لكن الصورة تكتمل وتزداد طرافةً حين يدخل إلى المشهد نوعٌ آخر من البخلاء، أولئك الذين يستمتعون بالثناء كما تُستمتع القصور بنسيم البحر، فإذا جاء وقت ردّ الجميل تحوّلوا فجأةً إلى رهبان زهدٍ إداري.

تكتب فيه مقالةً تلمّع سيرته، أو تنسج فيه قصيدةً تليق بمقامه، فيصلك الرد، إن وصلك، بارداً مهذباً كرسالة سكرتير الثري:
الشيخ لا يتابع مثل هذه الكتابات، ولا يميل للقصائد.

يا للعجب!

هو لا يتابع لكنه يعلم. لا يميل لكنه يبتسم للصورة حين تنتشر. ولا يحب القصائد، إلا حين تُقرأ في حضرته همساً.

إنها براعة الاعتذار الأنيق؛ حيث يتحول عدم المتابعة إلى مظلةٍ فاخرةٍ تُفتح فقط عندما تقترب استحقاقات الوفاء. أما حين يكون الحديث عن الأضواء والانتشار فالرجل، ما شاء الله، شديد اليقظة، حادّ الرصد، يتابع اسمه كما يتابع المستثمر مؤشر السوق.

والطريف، أيها القارئ، أن هذا الذي لا يميل للقصائد قد يستيقظ فجأةً بذاكرةٍ شعريةٍ حادةٍ إذا ورد اسمه في نقدٍ عابر. عندها تختفي غشاوة عدم المتابعة، ويظهر قارئٌ مدقّقٌ يعرف موضع الفاصلة قبل النقطة. أما المديح فيضيع، سبحان مبدّل الأحوال، في زحام الانشغالات.

ليست القضية أن كل ممدوحٍ مطالبٌ بالمكافأة، فالثناء في جوهره فعل تقديرٍ لا فاتورة. لكن السخرية تبدأ حين يتحول التنصّل إلى عادةٍ، والاعتذار إلى نظامٍ، والتواضع المُعلن إلى ستارٍ شفافٍ يخفي وراءه اقتصاداً شديد التحفّظ.

فالكريم في ثقافتنا قد يعتذر بلطفٍ، لكنه لا يختبئ.

أمَّا البخيل الأنيق فيجيد فن الاختفاء تحت عبارةٍ واحدةٍ محفوظة: "نحن لا نتابع".

فبعض الناس يضعون أموالهم في الجيوب، وبعضهم تضعهم أموالهم في الجيوب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.