حين يهلّ رمضان من مكة المكرمة، لا يبدأ شهر عبادة فحسب، بل تبدأ لحظة عالمية تتجاوز حدود العالم الإسلامي. فهنا، من جوار المسجد الحرام، يتشكل مشهد سنوي فريد يجمع بين الروحانية والتنظيم، وبين الإيمان والإدارة، في صورة تعكس مكانة المملكة العربية السعودية ودورها المركزي في العالم الإسلامي.
رمضان في مكة ليس حدثاً محلياً، بل ظاهرة إنسانية كبرى. ملايين المسلمين يتابعون المشهد، ومئات الآلاف يفدون إلى الحرم، حيث تتجاور الأعراق والثقافات في لوحة واحدة تتكرر كل عام، لكنها لا تفقد أثرها في عالم يزداد استقطاباً، حيث تبدو صورة الطواف حول الكعبة المشرفة أقرب إلى رسالة هادئة تقول إن الوحدة ممكنة، وإن التنوع لا يمنع الانسجام.
غير أن أهمية هذا المشهد لا تقف عند حدّه الروحي، فالمملكة العربية السعودية، بوصفها حاضنة الحرمين الشريفين، تدير واحداً من أعقد التجمعات البشرية في العالم بكفاءة عالية، مستندة إلى خبرة تنظيمية، وبنية تحتية متطورة، ما يجعل من موسم رمضان نموذجاً إدارياً وإنسانياً في آنٍ واحد.
هذه القدرة على الجمع بين القدسية والانضباط تعزز من صورة السعودية كقوة استقرار في محيطها الإقليمي. وفي السنوات الأخيرة، ومع التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى في المنطقة، برزت المملكة لاعباً محورياً في مسارات التهدئة والحوار، سواء على المستوى الخليجي أو العربي أو الإسلامي. ومن هنا يصبح رمضان امتداداً طبيعياً لهذا الدور التكاملي الهام، لشهر كريم تهدأ فيه النبرة، وتعلو فيه لغة التقارب، وتُستعاد فيه قيمة "الأمة" بمعناها الجامع بعيداً عن الاستقطاب.
وفي قراءة أوسع، يمكن النظر إلى رمضان في مكة المكرمة بوصفه أحد أبرز تجليات "القوة الناعمة" السعودية في سياق التحولات الجيوسياسية الحديثة. فبينما تتنافس الدول على النفوذ عبر الاقتصاد أو التحالفات أو الخطاب السياسي، تمتلك المملكة العربية السعودية رصيداً مختلفاً، رصيداً متجذراً في المكانة الروحية. فإدارة موسم ديني بهذا الحجم والكثافة، وتأمينه بكفاءة، وتيسيره لملايين البشر من خلفيات متعددة، يمنح، بفضل الله، المملكة حضوراً يتجاوز السياسة التقليدية إلى التأثير القيمي والثقافي. إنها قوة لا تُمارس عبر التصريحات، بل عبر المشهد المتكرر كل عام: استقرار وتنظيم وانفتاح في قلب العالم الإسلامي.
وفي زمن يعاد فيه تشكيل التوازنات الإقليمية، تبدو هذه القوة الهادئة عنصراً داعماً لموقع السعودية كشريك رئيسي في مسارات التهدئة، ورسالة ضمنية بأن الاستقرار يمكن أن ينبع من العمق الحضاري بقدر ما ينبع من المعادلات السياسية.
وبالنسبة إلى المسلمين في أوروبا، خصوصاً في مدن متعددة الثقافات مثل لندن، تظل مكة المكرمة في رمضان مرجعية رمزية وروحية. فبينما يعيش المسلم الغربي تحديات الهوية والاندماج، تمنحه صورة الحرم المكي الشريف والمسجد النبوي إحساساً بالانتماء إلى فضاء أوسع، متصل بالجذور، ولكنه منفتح على العالم. وهنا تحديداً يلتقي البعد الديني بالبعد الحضاري، وتتحول القبلة إلى جسر معنوي يربط الأطراف بالمركز.
خاتمة؛
من أمام الكعبة المشرفة، تتوحد الاتجاهات خمس مرات في اليوم، وكأنها تذكير دائم بأن المركز واحد مهما تباعدت الأطراف والأماكن. رمضان من مكة ليس موسماً عابراً، بل تجديد سنوي لمعنى الأخوّة، ورسالة استقرار في زمن التحولات. وفي عالم يضجّ بالصراعات، يبقى صوت مكة في رمضان أهدأ، لكنه الأعمق أثراً وتأثيراً.
وكلّ عام وعالمنا وشعوبنا الخليجية والعربية والإسلامية بخير وأمن وطمأنينة وسلام.

