: آخر تحديث

حكواتي التلفزيون..!

2
2
2

في كل عام مع اقتراب شهر رمضان يتكرر سؤالٌ ضمني «لماذا أصبح هذا الشهر تحديدًا موسمًا رئيسًا للأعمال الدرامية، رغم طابعه الروحاني، وضيق وقته بين الصيام والعبادات والالتزامات الأسرية؟ وكيف تحوّل إلى ذروة الإنتاج التلفزيوني، حتى باتت شركات الإنتاج والقنوات تخطط لعامٍ كامل من أجل سباقٍ يمتد ثلاثين يومًا فقط؟!»

ولفهم هذه الظاهرة، من المفيد النظر إليها في سياقها التاريخي والاجتماعي، لا بوصفها مفارقةً بين الدين والفن، بل امتدادًا لعادات رمضانية قديمة، فشهر رمضان وعبر تاريخ طويل جدًا، ظل شهر السهر بامتياز، إذ تتشكل مساحة زمنية ليلية بعد الإفطار وصلاة التراويح، يتجمّع فيها الناس في البيوت أو الساحات أو المقاهي، وفي كل هذه الأماكن ازدهرت تقاليد الحكواتي في عدد من البلدان العربية؛ حيث تُروى القصص الشعبية والسير التاريخية وحكايات «ألف ليلة وليلة» حتى باتت الحكاية جزءًا من طقس اجتماعي رمضاني، يوازن بين العبادة والترفيه المباح، وحين دخل التلفزيون، البيوت العربية، لم يلغِ هذا التقليد بقدر ما أعاد تشكيله، حيث تحوّلت الحكاية من مجلسٍ محدود إلى شاشة تصل إلى ملايين المشاهدين، ومع توسّع البث الفضائي، أدركت القنوات أن رمضان يضمن أعلى نسب مشاهدة في العام؛ فالناس تجتمع يوميًا في توقيت متقارب، وتزداد فترات بقائهم في المنزل، ما يجعل متابعة مسلسل يومي عادةً شبه جماعية، وهكذا نشأ ما يمكن تسميته «الموسم الرمضاني» بوصفه ظاهرة إعلامية واقتصادية في آن واحد.. من الناحية الإنتاجية، يوفّر هذا التركيز الزمني ميزة تسويقية واضحة، فالإعلان في رمضان يرتفع، والمنافسة تحتدم على العرض الأول، وتتحول الأعمال إلى موضوع نقاش يومي في المجالس ووسائل التواصل، هذا الزخم يخلق دورة اقتصادية كاملة: كتابة وتصوير وتسويق وإعلانات، كلها موجهة إلى هذا الشهر تحديدًا، لذلك يمكن القول إن ازدحام الدراما في رمضان ليس قرارًا فنيًا فقط، بل هو نتيجة منطق السوق واستراتيجيات المشاهدة.

في المقابل، تحاول كثير من القنوات مراعاة حساسية الشهر، فبعض القنوات الغنائية تخفف من حضور الأغنية، أو تعيد برمجة محتواها ليتناسب مع المزاج العام، مستبدلةً جزءًا من الترفيه الغنائي بأعمال درامية أو برامج ذات طابع اجتماعي أو ديني، حتى الأعمال الدرامية نفسها تميل –نظريًا على الأقل– إلى موضوعات عائلية أو تاريخية أو اجتماعية أكثر قربًا من الجمهور الواسع، وإن ظلّ الجدل قائمًا حول حدود الجرأة ومقدار انسجام بعض الأعمال مع روح الشهر، ومن المهم التمييز هنا بين أصل الفكرة وطبيعة المحتوى، فوجود دراما في رمضان ليس ظاهرة طارئة أو مناقضة لتاريخه الاجتماعي؛ فالسهر والحكاية عنصران قديمان في لياليه، أما الإشكال فيتعلق بجودة الطرح ومراعاة الذائقة العامة، فالمجتمع لا ينصرف في رمضان عن الفن بوصفه نشاطًا إنسانيًا، لكنه يتوقع أن يكون هذا الفن أكثر وعيًا بسياق الزمن الذي يُعرض فيه.

في المحصلة، يبدو اختيار رمضان موسمًا للدراما ليس إلا امتدادًا لعوامل تاريخية واجتماعية واقتصادية، فهو الشهر الذي يجتمع فيه الناس يوميًا في وقت واحد، ما يجعله فرصة مثالية لصناعة المحتوى الجماهيري، وهكذا بين روحانية الشهر ومتطلبات السوق، تستمر المعادلة في البحث عن توازنٍ يرضي الجمهور ويحافظ على خصوصية الزمن الرمضاني.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد