إيلاف من الرياض: اختتم مهرجان الدرعية الدولي للرواية – في نسخته الثانية – فعالياته يوم السبت 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، بعد أربعة عشر يومًا من الحراك الأدبي المكثّف. ويُعد المهرجان من أبرز فعاليات موسم الدرعية 2025–2026، حيث نُظّم تحت شعار «عزّك وملفاك»، بمبادرة من هيئة تطوير بوابة الدرعية، ضمن رؤية ترمي إلى تعزيز حضور المدينة كمركز ثقافي عالمي يربط بين تراث الدولة السعودية الأولى وروح العصر.
جاءت نسخة هذا العام تحت عنوان «للسرد ملفى، وللقصة مكان»، متيحة فضاءً يلتقي فيه الأدب بالتاريخ في مهد الدولة السعودية، في محاولة لترسيخ الرواية بوصفها وسيطًا للهوية والفهم المجتمعي.
البجيري: ذاكرة تحكي
أقيمت الفعاليات في حي البجيري التاريخي، الذي يعود تأسيسه إلى عام 1727، عندما كانت الدرعية مركزًا علميًا وثقافيًا منذ نشوء الدولة السعودية الأولى. اختيار البجيري لم يكن قرارًا بصريًا فحسب، بل خطوة رمزية لإحياء دوره التاريخي وتحويله إلى منصة معاصرة للسرد، تعكس التوجهات الثقافية لرؤية السعودية 2030، حيث يلتقي التراث بالابتكار، وتُصاغ وجهات ثقافية ذات بُعد عالمي.
البرنامج: ثلاثة مسارات، جمهور واحد
تميّز المهرجان ببرنامج متنوع، امتدّ على ثلاثة مسارات رئيسية:
رحلة الخبراء: جلسات معمّقة للمتخصصين في السرد والنقد.
رحلة الشغوفين: لقاءات وأمسيات مفتوحة مع الروائيين.
رحلة المستكشف: فعاليات للأطفال والعائلات بدمجٍ بين التعلّم والمتعة.
وبلغة الأرقام، شهدت نسخة 2025:
-
أكثر من 40 ورشة عمل وجلسة باللغتين العربية والإنجليزية.
-
أكثر من 20 أمسية ومحاضرة أدبية.
-
مشاركة أكثر من 50 دار نشر في معرض روايات موسّع.
-
عروض فنية حيّة جسدت الإرث الثقافي والاقتصادي للدرعية.
وضمن الفعاليات التفاعلية، لفتت الانتباه جلسات مثل «المرأة السعودية تعيد تخيّل الحكاية والمجتمع»، إضافة إلى حلقات نقاش حول كتابة الذاكرة مقابل كتابة الواقع، وتجارب سعودية في بناء الشخصيات الروائية.
رواية وطنية... بصوت عالمي
استقطب المهرجان أكثر من 150 متحدثًا وروائيًا وخبيرًا من السعودية وخارجها. ومن بين الأسماء البارزة:
-
يوسف المحيميد، الذي أشار إلى رمزية ارتباط الرواية بالدرعية كمهد للهوية الوطنية.
-
نواف الهويمل، الذي قدّم مقاربات سردية لقصص التأسيس والملاحم التاريخية.
وشارك عدد من الروائيين العرب والدوليين في مناقشة الإنتاج الأدبي العربي، وتحولات السرد الشعبي، وأدوار الأدب في مقاربة المجتمع وتفسيره. هذا التنوّع حوّل حي البجيري إلى ساحة حوار ثقافي مفتوح، أعاد تعريف العلاقة بين الرواية والواقع.
الرواية السعودية: نمو وعبور
يشهد مشهد الرواية السعودية نموًا ملحوظًا بدعم من رؤية السعودية 2030 وازدهار القطاع الثقافي. ووفقًا لتقرير الحالة الثقافية في المملكة لعام 2024، بلغ عدد الإصدارات الأدبية السعودية أكثر من 12 ألف عنوان في عام 2023، منها ما بين 350 إلى 400 رواية سنويًا خلال عامي 2023 و2024، بزيادة تقترب من 15% عن عام 2022.
وتحظى الرواية السعودية بحضور لافت في الفضاءين العربي والدولي:
-
في العالم العربي، كانت ضيف شرف مهرجان “كتارا” للرواية العربية في قطر لعام 2025.
-
عالميًا، ارتفع عدد الروايات السعودية المترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية إلى أكثر من 50 عنوانًا في 2024.
-
من أبرز هذه الأعمال رواية “بنات الرياض” لرجاء الصانع، التي حققت نجاحًا دوليًا ملحوظًا.
كما ساهمت الجائزة العالمية للرواية العربية في دعم الترجمة والتوزيع، ما أدى إلى ارتفاع نسبة انتشار الروايات السعودية في الدول العربية بنسبة 30% خلال السنوات الأخيرة.
سياق سردي يعيد صياغة الدور الثقافي
يظهر مهرجان الدرعية الدولي للرواية بوصفه أكثر من مجرد فعالية ثقافية؛ إنه مشروع مستدام لإعادة إنتاج المكان كقصة، والرواية كأداة لفهم المجتمع السعودي في تحوّله. ويكشف البرنامج الطموح أن المملكة لا تكتفي فقط باستضافة الأحداث الثقافية، بل تؤسّس لمنصات دائمة تفتح المجال أمام السرد السعودي ليحاور العالم.


