المواجهات الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، وضعت دول مجلس التعاون الخليجي في قلبها، لتكون منذ اليوم الأول أهدافاً حربية إيرانية، اعتدت فيها طهران على سيادة هذه الدول، وقصفت منشآت مدنية واقتصادية وسياحية.
منذ أحداث "طوفان الأقصى" 7 أكتوبر 2023 عملت المملكة ومعها الدول الحليفة والصديقة بهدف وضع حد للتوترات في الشرق الأوسط، ساعية لوقف ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قتل وتهجير قسري، بل أبعد من ذلك، سعت الرياض من أجل خلق شبكة أمان إقليمية واسعة، تعاونت فيها حتى مع طهران رغم التباينات في وجهات النظر والمواقف، مغلبة منطق المصلحة العامة، معتبرة أن تحقيق السلم الإقليمي سيعود بآثاره الإيجابية على مختلف الدول دون استثناء.
لقد كانت المملكة نشطة جداً في دبلوماسيتها الخارجية، وخلال الحرب الإسرائيلية التي استمرت 12 يومياً ضد إيران، كانت المملكة سباقة لإدانتها وواضحة في رفضها للضربات العسكرية التي طالت الأراضي الإيرانية.. ورغم قيام النظام الإيراني بقصف قاعدة "العديد" القطرية، في موقف استنكرته وأدانته الرياض بشدة، إلا أنها عملت على احتواء الأزمة، منطلقة من موقف سياسي غاية في الصبر والعقلانية.
ومنذ توقف المواجهات السابقة بين طهران وتل أبيب، عملت السعودية على تشجيع مختلف الأطراف على أن يكون الحوار هو القناة المثلى لحل المشكلات، ومن هنا دعمت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران التي قادتها سلطنة عمان.. أكثر من ذلك، أعلنت المملكة صراحة أنها لن تسمح لأي قوات أجنبية باستخدام أراضيها لضرب إيران، ولا المرور عبر أجوائها أو مياهها الإقليمية.
هذه المواقف كلها ضمن سياق سياسي يريد لـ"الكارثة" ألا تقع، ومساعٍ لمنع "الفوضى" التي لن تهدد إيران وحدها، بل المنطقة بأجمعها، إلا أن الكارثة وقعت، وحصل فيها ما حذرت منه المملكة باكراً.. هذه البصيرة السياسية السعودية تعلم أن الحرب سهلٌ إشعالها لكن من الصعب وضع حد لها أو إيقافها بسهولة.. ورغم هذه المساعي المتتالية، إلا أن القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية أطلقت مسيراتها وصواريخها باتجاه الأراضي السعودية وأراضي دول الخليج العربي، متذرعة بتعليلات واهية لا يمكنها أن تقنع قطاعاً واسعاً من الإيرانيين في الداخل، فضلاً عن شعوب دول المنطقة.
هذا العدوان على دول الخليج العربي لم تختره، ولم تكن جزءا منه، بل على العكس عملت المملكة جاهدة لمنعه، إلا أن القيادة الإيرانية تمعنُ في الانكفاء والعزلة والسياسات العدوانية التي تضرُ بالشعب الإيراني وشعوب المنطقة، واستمرار التصعيد العسكري تجاه دول الخليج -التي لا تزال تغلّب منطق الصبر والعقلانية السياسية- سيدفعها لاتخاذ خطوات متقدمة أكثر تحمي بها مواطنيها ومقيميها وبنيتها التحتية ومنشآتها الاقتصادية والحيوية.

