: آخر تحديث

الجغرافيا التي لا نختارها!

3
3
3

نعيش وسط محيط من الفوضى من كل الجهات؛ من تشاد إلى أفغانستان.. ومن شمال العراق إلى بحر العرب.. محيط لا أحد يملك فيه ترف اختيار جيرانه، ولا رفاهية اعتزالهم.. صفيح إقليمي ملتهب قائم على توازنات متقلبة لا تحتمل رومانسية العلاقات الطبيعية.. دولٌ تتخاصم في العلن، وتتقاطع في الخفاء.. وأخرى تتبادل الاتهامات صباحاً، ثم تلتقي مساءً تحت عناوين "التهدئة" و"إدارة الخلاف".

تجارب العقدين الماضيين تقول بوضوح إن الفراغ في هذه المنطقة لا يبقى فراغاً؛ إذ سرعان ما تملؤه الميليشيات، وتستثمره القوى العابرة للحدود، أو يتحول إلى منصة لتصفية حسابات دولية لا علاقة لشعوب المنطقة بها.. ومن هنا، يصبح التعامل البراغماتي مع بعض الخصوم ضرورة لحماية الاستقرار الداخلي، كما أنه قراءة واقعية لطبيعة الصراع وحدوده.

في هذا المحيط/ الصفيح نجد أنفسنا مضطرين للجلوس مع من نختلف معهم، أو التفاهم مع من لا نثق بهم بالكامل.. وهذه كلفة أقل من ترك المنطقة رهينة للفوضى، أو تسليم مستقبلها لمن لا يرون فيها سوى ساحة مفتوحة لتجاربهم وصراعاتهم.. وقد أثبتت تجارب المنطقة أن القطيعة التامة، مهما بدت مبررة، تفتح أبواباً خلفية لقوى أكثر عدائية، وتمنح الفوضى فرصة للتسلل عبر الثغرات التي يخلّفها غياب التنسيق.

إن إدارة الخلاف لا تعني القبول بالآخر، كما أن الحوار لا يعني التسليم له؛ بل هو أداة لتقليل المخاطر، واحتواء التوتر، ومنع التصعيد من التحول إلى صراع مفتوح يدفع الجميع ثمنه. فالدول التي تتشارك الجغرافيا، مهما بلغت خلافاتها، تظل مرتبطة بحتمية الأمن المشترك، وتبقى خياراتها محدودة حين يتعلق الأمر بالاستقرار.

ولعل أخطر ما يمكن أن تفعله الدول في بيئة كهذه، هو أن تترك مساحات الفراغ تتسع بينها، فتملؤها التنظيمات المسلحة، أو تتحول إلى ممرات لتدخلات خارجية لا تعبأ بمصالح المنطقة بقدر ما تعبأ بإدامة نزاعاتها.. لهذا، فإن الجلوس مع الخصوم لا يعني إعادة تعريفهم كأصدقاء، بقدر ما يعني إعادة تعريف المصلحة ذاتها؛ مصلحة تقوم على تقليل الخسائر، ومنع الانزلاق إلى مواجهات لا يخرج منها أحد منتصراً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد