ليلى أمين السيف
أحيانًا، لا تحتاج الحياة إلى أحداث كبيرة كي تُربكك يكفي تعليق عابر قيل على طاولة مجاورة، بصوت واثق أكثر مما ينبغي.
كنت جالسة بهدوء، أمارس هواية المراقبة الصامتة، إلى أن سمعت جملة جعلت القهوة تفقد طعمها وجعلت الصمت خيارًا غير مطروح.
لم أكن أنوي الدخول في مناظرة دينية ولا فتح ملف «الزواج في الإسلام» على مصراعيه.
كنت فقط جالسة مع مجموعة متنوعة المشارب والثقافات، حين التقطت أذني حديثًا جانبيًا لا يخص طاولتي، لكنه خصّ ضميري أحدهم يقول للآخر بثقة:
«أنتم كمسلمين تستطيعون الزواج بأكثر من أربع»
فيرد الآخر بقهقهة عالية:
«لا! يبدو أنهم في في بعض الدول المسلمة يتزوجون خمسين امرأة»
وهنا! فشلتُ فشلًا ذريعًا في ممارسة فضيلة الصمت، رفعت رأسي، نظرت إليهم بابتسامة خفيفة، وقلت:
«من قال لكم هذا الكلام؟ من أين جاءت الخمسون؟»
ساد صمت قصير، ثم بدأت الحكاية.
شرحت لهم بهدوء أن الإسلام لم يفتح باب التعدد على مصراعيه كما يُشاع، بل قيده بقيود ثقيلة، تكاد تجعل الأصل هو زوجة واحدة. نعم، الإسلام أباح التعدد، لكنه حدده بأربع فقط، لا خمس، ولا خمسين، ولا «حسب المزاج» بل بشروط. و أول هذه الشروط هو العدل.
والعدل هنا ليس كلمة شاعرية، بل التزام عملي: عدل في النفقة، في السكن، في الوقت، في المسؤولية، في الرعاية.
من الألف إلى الياء، الرجل في الإسلام لا «يتزوج ويختفي»، بل يتحمّل عبئًا مضاعفًا، ومسؤولية مضاعفة، وحسابًا مضاعفًا. ولهذا جاء في النص القرآني ما معناه: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً}. ثم أوضحت لهم نقطة أساسية يغفل عنها كثيرون.
في الإسلام لا توجد خيانة شرعية .العلاقة إما واضحة ومعلنة ومسؤولة، أو لا تكون. بينما في كثير من مجتمعات العالم، الرجل «يكتفي بواحدة» على الورق، لكنه في الواقع يعيش تعددًا. بلا عدل، بلا مسؤولية، وبلا اعتراف. تعدد في الظل، اسمه خيانة، وتدفع ثمنه المرأة وحدها.
وانطلاقًا من هذا التفكيك التاريخي، لا بد أن نلفت النظر - ولو سريعًا - إلى نقطة كثيرًا ما تُستعمل اليوم كسلاح ثقافي، وقد تطرّقنا إليها أيضًا، وهي أن التعدد لم يكن يومًا حكرًا على الإسلام، بل عرفته الشرائع السابقة قبل أن تُغيَّر أو تُفرَّغ من مضمونها، تمامًا كما غُيِّب كثير من حقائق تاريخنا السياسي.
فالتعدد لم يكن بدعة إسلامية، ولا استثناءً خرج به الإسلام عن بقية الشرائع السماوية. في الديانات السابقة، وخصوصًا اليهودية، كان التعدد مباحًا وموجودًا، ومارسه أنبياء وشخصيات دينية معروفة، ولم يكن محل استنكار أو جدل. وحتى في البيئة التي نشأت فيها المسيحية الأولى، كان هذا الواقع معروفًا ومتداولًا.
التعدد في الإسلام جاء مضبوطًا، مقننًا، ومشروطًا، لا فوضويًا ولا عبثيًا.
لكن ما تغيّر لاحقًا لم يكن النص الإلهي بقدر ما كان التطبيق البشري.
الشرائع السابقة مرّت بتحولات تاريخية، وتأثرت بالثقافات السائدة، والسلطات الدينية، والظروف الاجتماعية، فأُعيد تفسير الأحكام، وقُيّدت، وأُلغي بعضها، لا لأن الله غيّر، بل لأن البشر غيّروا.
وهنا يظهر الفارق الجوهري مع الإسلام. ففي الإسلام، لا يملك بشر حق تعديل الحكم الإلهي. النص محفوظ، والمرجعية ثابتة، والقرآن بقي كما أُنزل، لأن الله تعهّد بحفظه. لذلك لم تتحوّل الأحكام فيه إلى «تراث رمزي»، ولا خضعت لمزاج العصور، ولا تغيّرت بحسب ضغط الواقع.
وضربت لهم مثالًا بسيطًا وقريبًا للفهم: الحجاب. كان موجودًا في الشرائع السابقة، ومعروفًا في اليهودية والمسيحية، وممارسًا عبر قرون طويلة. لكنه مع الزمن أصبح «ذكرى تاريخية» في تلك الديانات، بينما بقي في الإسلام حكمًا قائمًا، لأنه مرتبط بنص محفوظ، لا بقرار كنسي، ولا بسلطة بشرية.
قلت لهم: الإسلام لم يُبقِ الأحكام لأنه أكثر تشددًا، بل لأنه أكثر ثباتًا.
والفرق ليس في الدين، بل في المرجعية. فحين يكون الحكم بيد البشر، يتغير، وحين يكون من عند الله، يبقى.
ثم جاءت اللحظة الأهم بالنسبة لي سألني أحدهم، من دولة الكونغو، بفضول صادق
«لكن! كيف حال المرأة المسلمة؟»
ابتسمت، وقلت: «نحن النساء في الإسلام لسن مستعبدات، بل معززات»
شرحت لهم أن المرأة المسلمة تدرس، وتتعلم، وتعمل، ولها مكانتها الاجتماعية والأسرية. هي زوجة لها حقوق، وأم لها مكانة عظيمة، وابنة يُوصى بها خيرًا. الحمل الأكبر في الأسرة يقع على الرجل: النفقة، السكن، المسؤولية، الحماية. المرأة لا تُساوى بالرجل في الواجبات لأنها مُبجَّلة، لا مُهمَّشة.
قلت لهم: «نحن لا نُقاس بكمية ما نُحمَّل به، بل بكمية الاحترام الذي نُعامل به»
في ثقافتنا، المرأة تُحترم في البيت، وفي الشارع، وفي المجتمع. يُفتح لها الطريق، لا لأنها أضعف، بل لأنها أكرم. يُنظر إليها بنظرة تقدير، لا استعلاء، ولا استهلاك.
والمفارقة العجيبة؟ أن الصورة التي تُصدَّر للعالم عن المرأة المسلمة، غالبًا ما يرسمها من لم يجلس يومًا مع امرأة مسلمة، ولم يسمع قصتها من فمها.
لم ينتهِ الحديث، ولن ينتهي في مقهى ولا في جلسة واحدة.
عدنا إلى فناجين القهوة، نعم، لكن الأسئلة بقيت على الطاولة، والمواضيع المؤجلة كانت أكثر من أن تُختصر في ساعة عابرة.
ذلك الحوار لم يكن لحظة وانتهت، بل بداية.
بداية لسلسلة تساؤلات أكبر: عن الدين، وعن الصورة المشوّهة، وعن الفرق بين النص وما يُنسب إليه، وبين ما أراده الله وما فعله البشر باسمه.
لذلك، ما كُتب هنا ليس خلاصة النقاش، بل أوله.
أما بقية الحديث فله مقالات قادمة..
لم أغيّر العالم، ولم أُقنع الجميع، لكنني على الأقل صححت أسطورة الخمسين زوجة وأحيانًا هذا يكفي!
** **
- كاتبة يمنية مقيمة في السويد

