: آخر تحديث

إيران تخسر قبل أن تبدأ

4
3
4

في السياسة الإقليمية، ليست كل ضربة بداية انتصاراً. أحياناً تكون إعلان خسارة مُبكرة.. خسارة في الحساب، في الصورة، وفي شبكة العلاقات.
إذا افترضنا أن أي تصعيد ضد دول الخليج يُبرَّر بذريعة وجود قواعد أو تعاون عسكري غربي، فإن أول ما يواجِه هذا التبرير هو التاريخ نفسه. الوجود العسكري الغربي في الخليج لم يبدأ بالأمس، ولم يكن موجهاً حصرياً ضد إيران. جزء كبير منه كان قائماً قبل 1979، ضمن ترتيبات دفاعية واتفاقات سيادية، وفي زمن كانت طهران نفسها شريكاً استراتيجياً للغرب. إذن تحويل هذا الوجود إلى ذريعة شاملة للهجوم يفتقر إلى التماسك المنطقي.
بالعودة إلى الوثائق التاريخية، نجد أن الوجود العسكري الغربي بدأ منذ زمن بعيد، وكان جزءاً من ترتيبات أمنية وسيادية مُتفق عليها بين دول مستقلة وقوى كبرى، واستمر في سياق ما بعد الانسحاب البريطاني. بريطانيا كانت موجودة عسكرياً في البحرين عبر منشأة (إتش إم الجفير) (HMS) وهو اللقب الذي يطلق تقليدياً على سفن البحرية البريطانية والجفير منطقة في البحرين.
في ذلك الوقت كانت محطة إمداد وتموين للسفن الحربية ومركز قيادة للعمليات البحرية البريطانية في الخليج وجزءاً من شبكة حماية خطوط النفط والملاحة. وحتى بعد انسحابها عام 1971، تطور الموقع ليصبح داعماً للأسطول الأمريكي. وفي جزيرة مصيرة التي تقع قبالة الساحل الشرقي لسلطنة عمان كانت قاعدة جوية عسكرية بريطانية (راف مصيرة) و(RAF) اختصار لسلاح الجو البريطاني. هذا عدا اتفاقيات التعاون العسكري التي كانت قائمة في ذلك الوقت مع دول المنطقة. الأمر اللافت تاريخياً أن هذه القواعد كانت موجودة في زمن الشاه الذي كان حليفاً للغرب.
تَعزّزَ هذا الوجود بعد هجوم نظام صدام حسين على الكويت. وكان ضرورة لحماية مصالح المنطقة خاصة أن أكثر من ربع النفط الخام المُصَدّر للعالم يأتي من دول الخليج. هذا الواقع جعل من أمن الخليج، أمناً للمصالح الاقتصادية العالمية، ويعكس دور هذه الدول في أسواق الطاقة العالمية. لهذا كان التوسع في القواعد ضرورة لا علاقة له بالمشاكل الإيرانية.
هذه الذريعة غير مقبولة منطقياً، إذا كان الوجود العسكري الغربي قبل 1979 لم يشعل حرباً مع إيران الشاه، فكيف يتحول بعد الثورة إلى مُبرر لهجوم على دول سعت بكل الجهد لتطويق الخلافات بين طهران وأمريكا بعدة طرق دبلوماسية. سلطنة عمان لعبت دوراً محورياً في فتح قنوات سرية مهدت لاتفاق 2015 النووي. قطر حافظت على خطوط اتصال مفتوحة، الإمارات دخلت مسارات تهدئة تدريجية لتقريب وجهات النظر وبقيت حتى آخر لحظة تسعى لتجنب تصعيد التوتر بين إيران وأمريكا. السعودية بدورها أعادت العلاقات الدبلوماسية مع طهران بعد قطيعة. هذه ليست سلوكيات خصوم يبحثون عن حرب، بل سلوكيات دول تحاول إدارة التوازن في منطقة مُعَقدة.
إذا كان الخلاف الأساس مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فلماذا استهداف محيط إقليمي حاول مراراً التعاون لإبعاد شبح الحرب بين الطرفين؟ وإذا كان الهدف هو الضغط على أمريكا وتعطيل المصالح العالمية برسائل هجوم غاشم وغير مبرر على الدول المجاورة، بغض النظر عن مواقفها الداعمة للسلام في إيران، فهذا ليس انتصاراً.. بل خسارة لأن النتيجة المتوقعة لمثل هذا السلوك واضحة. أولاً وحّدت دول الخليج بدل تفريقها. ثانياً دفعتها لتعزيز تعاونها الدفاعي مع القوى الغربية. ثالثاً قلصت مساحة الوساطة التي كانت تشكل متنفساً دبلوماسياً لها.
الخطوة التي افترضت إيران أنها ستضغط على واشنطن قد تنتهي عملياً بتقوية حضورها العسكري والسياسي في المنطقة. السياسة ليست مجرد رسالة قوة، هي إدارة صورة، شرعية وأخلاقية. ودولة بحجم إيران، بتاريخها وحضارتها ومكانتها في العالم الإسلامي، يُفتَرض أن تدرك أن العلاقة مع الجوار لا تدار بمنطق «ساحة رسائل عسكرية» الجوار ليس ورقة تفاوض، الجوار شبكة أمان. الضغط على المصالح الغربية في المنطقة قد يقرأ تكتيكياً كأداة ردع. لكن حين يمرّ هذا الضغط عبر أراضي وأمن دول مجاورة، يصبح الثمن مضاعفاً.. خسارة وسطاء وخسارة تعاطف إقليمي.
لهذا يمكن القول إن أي هجوم أو تهديد ضد دول الخليج بذريعة القواعد العسكرية لا يُربك الخصم. لأنه يحول خلافاً محدوداً إلى توترٍ أوسع. الدول التي لا تجيد درس حساباتها.. تخسر قبل أن تبدأ.

*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد