: آخر تحديث

بعد مقتل خامنئي… هل تبدأ المعركة البرية؟

3
4
4

بعد ثلاثة وثلاثين عاماً قضيتها مراسلاً حربياً بين الجبهات، تعلّمت أنَّ الحرب لا تبدأ حين تنطلق أول رصاصة، بل حين يتغير منطق القرار. الصواريخ ليست أخطر ما في الحرب، بل أخطر ما فيها هو اللحظة التي يقتنع فيها القادة أنَّ النار من السماء لم تعد كافية، وأن عليهم النزول إلى الأرض.

اليوم، ونحن نتابع التصعيد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تبدو السماء مزدحمة بالصواريخ والمسيرات والضربات، الرسائل متبادلة، والردع يُختبر، والهيبة تُقاس بعدد الأهداف المصابة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه عليّ، كمَن شاهد بغداد تحت القصف، وبيروت تحت النار، وصنعاء تتلقى الضربات، وغزة تُختبر بالصبر: هل تتحول هذه الحرب من معركة ضربات إلى معركة أرض؟

خبرتي تقول إن الحرب البرية ليست قراراً عاطفياً، بل حساب تكلفة بارد، الضربات الجوية تمنح السياسيين مساحة للمناورة، يمكنهم الادعاء بتحقيق أهداف، ويمكنهم التراجع خطوة إذا تغيرت الحسابات. أما الحرب البرية فهي التزام دموي طويل، لا يمكن الانسحاب منه بسهولة، ولا يمكن التحكم في تداعياته إعلامياً أو ميدانياً.

ما يجري الآن يحمل سمات حرب ردع متبادل عالي الكثافة. ضربات مركزة، ردود سريعة، توسيع أفقي للاشتباك، واختبار لمنظومات الدفاع الجوي في أكثر من ساحة. في مثل هذا السياق، تميل القوى الكبرى إلى إبقاء الحرب في مستوى "الإيلام عن بُعد". الولايات المتحدة، التي دفعت ثمناً باهظاً في العراق وأفغانستان، ليست متحمسة لحرب برية جديدة في الشرق الأوسط. وإسرائيل، بالرغم من قدرتها على المناورة البرية في محيطها، تدرك أن الجغرافيا الإيرانية ليست ساحة يمكن دخولها والخروج منها بعملية خاطفة.

إيران بدورها ليست قوة تبحث عن مواجهة برية مباشرة مع جيشين متفوقين تقنياً، عقيدتها القتالية منذ عقود قائمة على التمدد غير المباشر، وعلى توزيع ساحات الاشتباك بدلاً من تركيزها. لهذا فإن احتمالية المواجهة البرية المباشرة داخل الأراضي الإيرانية تبدو منخفضة في هذه المرحلة. لكن هذا لا يعني أن الأرض آمنة.

التجارب التي عشتها تقول إن الحرب البرية لا تبدأ غالباً بقرار غزو شامل، بل تبدأ باحتكاك حدودي، بعملية خاصة تتوسع، بتوغل محدود يتحول إلى تثبيت، ثم إلى اشتباك مفتوح. أخطر ما في الحروب الحديثة أنها تنزلق. تبدأ كضربة جراحية، وتنتهي كحرب استنزاف.

إذا كان هناك سيناريو بري محتمل، فأراه أقرب إلى جبهات الأطراف لا إلى القلب، وربما صدامات محدودة مرتبطة بأمن الممرات البحرية. هذا النوع من الحروب لا يحتاج إعلاناً رسمياً، يكفي أن تتراكم الحوادث، وأن تسقط حسابات الردع، حتى يجد الجميع أنفسهم في معركة أرض لم يخططوا لها.

في كل الحروب التي غطيتها، كان هناك مؤشر حاسم على قرب الانزلاق البري: الحشود الصامتة. عندما تبدأ الجيوش بتحريك تشكيلات ثقيلة، وعندما تتحول البيانات السياسية من لغة الردع إلى لغة "الحسم"، وعندما تُختبر خطوط الإمداد أكثر من اختبار منصات الصواريخ، فاعلم أن الحرب البرية تُستدعى.

حتى الآن، المؤشرات الأقوى تشير إلى استمرار نمط الضربات المتبادلة، مع توسيع أفقي للمواجهة عبر وكلاء أو ساحات ثانوية. هذا النمط يخدم هدفين: إيلام الخصم، ومنع الوصول إلى نقطة اللاعودة. لكن طول أمد المواجهة هو الخطر الحقيقي. كلما امتدت الحرب زمناً، زادت احتمالية الخطأ، وزادت الضغوط الداخلية، وارتفع منسوب الرغبة في "إنجاز حاسم"، وهنا تصبح الأرض خياراً مغرياً لمن يريد كسر الجمود.

من زاوية خليجية، هناك حساسية إضافية. المنطقة ليست بعيدة عن مسارات النار، وأمن الطاقة والممرات البحرية جزء من معادلة الصراع. أي توسع بري على تخوم الإقليم قد يفتح باب تصعيد أوسع، وهو ما لا تريده عواصم كثيرة تدرك أن النار حين تشتعل في الجوار لا تبقى محصورة.

أنا لا أرى حرباً برية شاملة تلوح في الأفق القريب، لكنني أرى خطر حرب تماس، حرب أطراف، حرب احتكاك. هذا النوع أخطر من الحرب المعلنة، لأنه يتغذى على التراكم. رصاصة هنا، عملية هناك، رد محدود يتحول إلى مواجهة مفتوحة.

الحرب الحديثة لم تعد تحتاج إلى دبابات تعبر الحدود كي نقول إنها بدأت. يكفي أن تتغير القواعد، وأن يُختبر الصبر السياسي، وأن يفقد أحد الأطراف شعوره بالردع. عندها تنزل الحرب من السماء إلى الأرض.

بعد ثلاثة وثلاثين عاماً بين الجبهات، أقول إن القرار ليس عسكرياً بحتاً، بل سياسي نفسي. إذا شعر طرف أن هيبته تآكلت، أو أن الضربات لم تحقق الردع المطلوب، فإن الأرض ستُستدعى. أما إذا بقيت المعادلة في مستوى الردع المتبادل، فستبقى السماء مزدحمة، والأرض متوترة، لكنها لن تشتعل.

السؤال ليس: هل يستطيعون خوض حرب برية؟ بل: هل يستطيعون تحمّل تبعاتها؟

وفي الشرق الأوسط، حين يُفتح باب الحرب، نادراً ما يُغلق سريعاً.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.