: آخر تحديث
زلزال جيوسياسي يعيد صياغة الشرق الأوسط:

ماذا لو تحولت إيران إلى ديمقراطية؟

3
4
2

إنَّ احتمال انتقال إيران من نظامٍ ثيوقراطيٍّ رجعيٍّ إلى ديمقراطيةٍ وطنيةٍ تسعى لتحقيق التنمية الاقتصادية والاندماج العالمي ليس مجرد تغييرٍ في نظام الحكم، بل هو "زلزال جيوسياسي" بامتياز. فمنذ عام 1979، وتحت قيادة علي خامنئي والحرس الثوري، عملت إيران كقوةٍ أيديولوجيةٍ تسعى لتقويض النظام الإقليمي عبر الوكلاء والميليشيات والسعي نحو الهيمنة. ومن شأن التحول إلى ديمقراطيةٍ براغماتيةٍ أن يستبدل "منطق المقاومة" بـ"منطق النمو".

تغيير في النموذج الإقليمي
إن إيران الديمقراطية، التي ستكون في أمسّ الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق العالمية، ستفضل الاستقرار على الاحتكاك والمواجهة. ويعني هذا عملياً وقف دعم المنظمات الوكيلة، وتراجع الحوافز للتصعيد البحري في منطقة الخليج، وتقليل حدة التوتر مع دول الجوار. مثل هذا السيناريو سيفتح الباب أمام اتفاقياتٍ أمنيةٍ إقليميةٍ جديدة، وربما يؤدي إلى إنشاء آلية أمنٍ جماعيٍّ في الخليج العربي.

كما أن إزالة تهديد التوسع الإيراني ستقلل من اعتماد الدول العربية على قوى الردع الخارجية، مما يتيح لها استثمار مواردها في خطط التنمية الوطنية. وقد يؤدي ذلك إلى تعميق مسار التطبيع الذي بدأ مع "اتفاقيات إبراهام"، ولكن هذه المرة ليس كحلفٍ دفاعيٍّ ضد إيران، بل كتحالفٍ اقتصاديٍّ تكنولوجيٍّ واسع النطاق يضم طهران أيضاً.

التداعيات بالنسبة إلى إسرائيل
تعتمد المكانة الاستراتيجية لإسرائيل حالياً، إلى حدٍّ كبير، على تصوير التهديد الإيراني كعاملٍ موحدٍ للمنظومة الإقليمية. وفي حين أن إيران الديمقراطية ستقلل من قيمة "التهديد المشترك"، إلا أنها ستفتح آفاقاً لفرصٍ جديدة. فبدلاً من "محور المواجهة"، قد ينشأ "محور الابتكار"، حيث تقدم إسرائيل الرأس المال البشري والتكنولوجيا المتقدمة، بينما توفر إيران سوقاً ضخماً يضم نحو 85 مليون نسمة، وموارد طبيعية هائلة، وموقعاً جغرافياً فريداً.

وفي سيناريو متفائل، قد تُستأنف العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، والتي قُطعت بعد ثورة 1979، تدريجياً عبر القنوات الاقتصادية. إن التعاون في مجالات الطاقة، والمياه، والزراعة المتقدمة، والأمن السيبراني، يمكن أن يحول ميزان القوى الإقليمي من هيكلية "الردع" إلى هيكلية "الاعتماد المتبادل". ومع ذلك، سيتعين على إسرائيل تحديث عقيدتها الأمنية، بالتركيز بشكلٍ أقل على التهديدات الوجودية المباشرة، وبشكلٍ أكبر على إدارة المخاطر متعددة الأطراف والسعي للتوصل إلى تسويةٍ تضمن أمنها في إطار حلٍّ مرضٍ مع الفلسطينيين.

البُعد الفلسطيني
لقد وضع النظام الشيعي المتطرف في إيران نفسه كراعٍ للفصائل الفلسطينية التي تستخدم الإرهاب. إن تغيير النظام واستبدال الأيديولوجية المتطرفة بالبراغماتية السياسية من شأنه أن يقلص تمويل ودعم المنظمات المسلحة ويشجع الحلول السياسية. فإيران الديمقراطية، التي ستسعى للحصول على شرعيةٍ دولية، ستتجنب دعم التصعيد الإقليمي. كما أن تقليص أبعاد "محور الشر الإيراني" سيخفض مستوى الاستقطاب ويعيد القضية الفلسطينية إلى مسارٍ دبلوماسيٍّ أكثر هدوءاً، وربما ضمن إطارٍ إقليميٍّ أوسع يجمع دول الخليج وإسرائيل وإيران معاً.

جسر نحو آسيا
من الناحية الجيواقتصادية، تقع إيران في ملتقى طرقٍ حاسمٍ بين الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى والمحيط الهندي. إن التحول الديمقراطي وفتح الأسواق سيجعلان منها حلقة وصلٍ مركزيةً في ممرات النقل والطاقة بين آسيا وأوروبا. وربط البنى التحتية عبر إيران، من سككٍ حديديةٍ وخطوط غازٍ وموانئ، قد يكمل المبادرات الإقليمية القائمة، ويمنح إسرائيل وصولاً برياً جديداً إلى الأسواق الآسيوية.

خلاصة القول، إن الديمقراطية في إيران ليست سيناريو وشيك الحدوث، ولكن إذا ما تحققت واقترنت باستراتيجيةٍ تنموية، فإنها كفيلة بتحويل الشرق الأوسط من منظومةٍ قائمةٍ على "توازن الرعب" إلى منظومةٍ قائمةٍ على "التكامل الإقليمي". بالنسبة إلى إسرائيل، سيكون التحدي هو تحويل ميزتها الأمنية إلى ميزةٍ اقتصاديةٍ استراتيجية، وبالنسبة إلى المنطقة بأسرها، قد تكون هذه فرصةً تاريخيةً للانتقال من الصراع المزمن إلى التعاون القائم على المصالح المشتركة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.