في المراحل المفصلية الكبرى، حيث تستقر شعوب ودول الخليج على موقف واحد في مواجهة غطرسة نظام الولي الفقيه في إيران، تتعمد طهران استهداف أمن المنطقة واستقرارها، ثم تعود لتطلب الوساطة والتدخل من الدول ذاتها التي تهدده.
لقد تجاوزت إيران حدود العقل السياسي في إدارتها صراعاً من صناعتها، لا من صناعة خليجية. فالدمار المادي قد تُحتمل تبعاته، لكن ما لا يُحتمل هو تجاهل دماء شهداء الواجب في الكويت وسائر دول الخليج.
بهذا المسار، لم تُقوِّض طهران رأس نظامها فحسب، بل قوَّضت ما تبقى من جسور الثقة مع محيطها الخليجي والعربي. لم تترك طهران لنفسها خط عودة، ولا مساحة تبرير، ولا هامش حوار عقلاني مع شعوب المنطقة ودولها.
ماذا بعد قبل النهاية الكبرى؟
لم تعد المسألة، في جوهرها، صراعاً أميركياً إسرائيلياً مع إيران، بقدر ما أصبحت قضية أمنٍ مباشرٍ لدول الخليج، وسلامة أراضيها، وصون سيادتها. وحين تمس السيادة، تسقط ذرائع الخطابات التعبوية.
لقد خسرت طهران أدواراً إقليمية كان يمكن أن تشكل لها متنفساً سياسياً، من الوساطة العُمانية إلى الثقل العربي والدولي للشقيقة السعودية. ومع كل خطوة تصعيد، كانت تضيق خياراتها بيدها.
اليوم، لم يعد لدى إيران ما تسوِّقه من مبررات في الخليج والشرق الأوسط. اختارت الطريق الوعر، وستتحمل وحدها كلفة الحسابات الخاطئة، سواء أكان المآل هزيمةً سياسيةً كبرى، أم مراجعةً داخليةً يقرر فيها الشعب الإيراني مصيره ونظامه السياسي.
وفي خضم هذه اللحظة، نستذكر دماء الشهداء والجرحى، ونعيد ترتيب الأولويات على قاعدة واضحة: الأمن أولاً، والسيادة فوق كل اعتبار.
أما الجغرافيا، فلا تُرسم وفق رغبات أنظمة عابرة ومتهورة، بل وفق قواعد دولية وإقليمية مستقرة، لا تغيِّرها نزعات ثيوقراطية أو خطابات طائفية أو دستور تصدير ثورة الولي الفقيه.
بالرغم من قسوة نتائج العدوان ومرارته، يظل من الضروري، بعقلٍ متزن لا بردة فعل، مناقشة مستقبل إيران في حال انهار نظام الملالي، أو قرر هذا النظام ذاته مراجعة مساره والخروج من عباءة الولي الفقيه، والتخلي عن عقيدة "تصدير الثورة" بوصفها مرتكزاً دستورياً.
فاستشراف ما بعد النظام ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورةً استراتيجيةً لدول الخليج، إذ إن التحولات الكبرى في طهران، إن حدثت، لن تبقى شأناً داخلياً، بل ستنعكس مباشرةً على أمن المنطقة وتوازناتها ومفهوم الدولة الوطنية فيها وسيادة دول المنطقة.
والسؤال الأهم لا يتعلق بسقوط النظام بحد ذاته، بل بطبيعة البديل: هل سيكون انتقالاً نحو دولة مدنية طبيعية تعيد تعريف علاقتها بجوارها على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الغير؟ أم سنكون أمام إعادة إنتاج للنزعة العدائية ذاتها بأدوات جديدة؟
في لحظات الصراع، يسهل الانجرار إلى منطق القطيعة الكاملة، لكن السياسة الرشيدة تفترض التفكير في اليوم التالي والمستقبل.
فالجغرافيا ثابتة، وإيران باقية دولةً وجاراً، بينما الأنظمة عابرة بحكم التاريخ. ومن هنا، فإن النقاش حول مستقبل إيران ليس دفاعاً عنها، بل تحصينٌ مبكرٌ للخيارات الخليجية، حتى لا تُفاجأ المنطقة بفراغٍ سياسيٍ أو فوضى عابرة للحدود.
بهذا المعنى، لا يتناقض الحزم في مواجهة العدوان الإيراني مع التفكير العقلاني في مرحلة ما بعده، بل إن قوة الموقف السياسي تُقاس بقدرته على إدارة اللحظة الراهنة واستباق ما يليه.

