: آخر تحديث

حزب الله الإرهابي يجب أن يُدمَّر

4
4
4

حين كان كاتو الأكبر يختم كل خطاب في مجلس الشيوخ الروماني بعبارته الشهيرة Carthago delenda est أي "يجب أن تُدمَّر قرطاج"، لم يكن موقفه نابعاً من حقد شخصي، بل كان يعبر عن قناعة إستراتيجية مفادها أن بقاء قرطاج قوةً عسكريةً موازيةً لروما هو تهديد وجودي للدولة. لم يقل: يجب تنظيم وضع قرطاج أو يجب حصر نشاطها السياسي، ولم ينادِ بمنحها رخصة حزب، بل طالب ببساطة ووضوح بأنه "يجب أن تُدمَّر".

في لبنان اليوم، لا نحتاج إلى كثير من البلاغة لندرك العبرة. حزب الله ليس حزباً خرج عن طاعة الدولة فحسب، بل إنه كيان مسلح نشأ خارج إطار الدولة، وتمدد متغلباً عليها، وتغذى من دم اللبنانيين قبل أن يستمد قوته من دعم الحرس الثوري الإيراني. منذ الثمانينات، عندما قرر هذا التنظيم أن يقتل اللبنانيين ويغتال دولتهم ويصادر قرارهم، لم يتقدم بطلب ترخيص من وزارة الداخلية، ولم ينتظر بياناً وزارياً يجيز له حمل السلاح. كما لم يستفتِ أحداً حين أعلن نفسه وصياً على قرار الحرب والسلم.

اليوم، يعلن رئيس الحكومة نواف سلام قرار "حظر النشاطات الأمنية والعسكرية" للحزب، مع الإبقاء عليه ككيان سياسي ضمن الأطر الدستورية. وكأن المشكلة كانت يوماً مشكلة مدونات ورقية لا مشكلة بندقية وعبوات ناسفة وسلاح كاتم للصوت. كما لو كان سلاح الحزب سينصهر بمجرد إصدار مجلس الوزراء بياناً ما؛ وكأن الحزب الذي خطف الدولة لسنوات سيخضع وينصاع فجأةً لقرار إداري.

هذا القرار جاء متأخراً ومبتوراً، ولا يحاكي ذكاء اللبنانيين أو يقارب معاناتهم. إن آلاف العائلات التي غادرت منازلها في منتصف الليل رغماً عنها، هرباً من مغامرات الحزب وصواريخه، لا تحتاج إلى حظر نظري؛ إنها تحتاج إلى دولة وشعب يعترف بأن وجود ميليشيات عقائدية مرتبطة بإيران هو أصل البلاء.

الإبقاء على الحزب ككيان سياسي بعد "حظر نشاطه العسكري" هو أقرب إلى وهم قانوني. أي حزب هذا الذي يحتفظ بهيكليته، وقيادته، وشرعيته الشعبية، وشبكاته المالية، ثم يُطلب منه أن يُسلّم سلاحه طوعاً؟ هل سلّم سلاحه حين انسحبت إسرائيل عام 2000؟ أو بعد حرب تموز 2006؟ أو حينما جر لبنان إلى الانغماس في حروب سوريا واليمن والعراق؟ من يُصدق أن بياناً وزارياً سيغير عقيدةً بُنيت على مبدأ "تصدير الثورة" لا على منطق الدستور اللبناني؟

الأخطر من ذلك أن هذا "الحظر" يساوي بين الضحية والجلاد، فهو يوحي بأن المسألة خلاف داخلي يمكن تسويته، لا تهديد أمني عابر للحدود. حزب الله ليس حزباً لبنانياً أخطأ في التقدير، هو ذراع إيرانية مسلحة تعمل ضمن مشروع إقليمي. وطالما لم يُعلن بوضوح أن هذا الحزب هو تنظيم إرهابي خارج على الدولة، وطالما لم تُفكك بنيته بالكامل، فإن أي قرار قد يصدر يبقى حبراً على ورق.

ثم إن إبقاء الحزب كحزب سياسي يعني المحافظة على قدرته على التعطيل والابتزاز من داخل المؤسسات. سيجلس في البرلمان، ويتحكم بالقرار، ويمنع أي مسار جدي لنزع سلاحه. هكذا تحوّلت "المقاومة" إلى دويلة داخل الدولة، ثم إلى دولة تتفوق على الدولة. ومن يعتقد أن الفصل بين جناح عسكري وجناح سياسي ممكن، يتجاهل تجربة 4 عقود تقريباً من التذاكي الجماعي.

وهنا تجدر الإشارة بلا مواربة وبوضوح يسبق أي مجاملة لغوية:
هذا هو الوجه الحقيقي لـ"حزب الله"، والذي يراهن على أن منظومة ارتبط اسمها باقتصاد المخدرات، وبالعنف المنهجي، وبالاغتيالات السياسية، يمكن أن تتصرف بعقلانية دولة، لا يتبنى نظرة سياسية متفائلة بل إنه ينغمس تماماً في إنكار الوقائع. الرهان على منطق من يتغذى على الفوضى، ويستمد شرعيته من سلاح خارج إطار الدولة، ليس تحليلاً إستراتيجياً، بل هروب من مواجهة الاستنتاج البديهي: هذه البنية لا تعيش إلا في ظل انهيار الدولة.

حزب الله منظومة تأسست على تصفية الخصوم وخطف القرار الوطني لن تتحول فجأةً إلى حزب مدني لأن مجلس الوزراء طالبها بذلك. من بنى سلطته عبر السلاح غير الشرعي لن يتخلى عنه استجابةً لبيان رسمي. التجارب لا تُمحى بقرارات، والعقائد العابرة للحدود لا تذوب تحت سقف الدستور.

لا خلاص للبنان إلا بمواجهة هذا الكيان السياسي–الأمني مواجهةً صريحةً تتجاوز الشعارات إلى الفعل السيادي. تفكيك هذه المنظومة ليس طرحاً أيديولوجياً، بل شرط أساس لاستدامة الدولة نفسها. فالإبقاء عليها، ولو تحت مسمى سياسي، يعني القبول الضمني بأن الجمهورية مجرد إطار هش لسلطة فعلية تعمل خارجها.

أما التردد، أو الاختباء خلف دعوات "الواقعية"، فهو ليس بحكمة. إنه مساهمة صامتة في إطالة عمر المأساة. في لحظة كهذه، يصبح الهروب موقفاً سياسياً بحد ذاته، وموقفاً يدفع اللبنانيون ثمنه من أمنهم، واقتصادهم، ومستقبل أبنائهم.

إن إعلان الحزب تنظيماً إرهابياً ليس ترفاً لغوياً، بل خطوةً جوهريةً لحماية لبنان من الرد الإسرائيلي الدائم. إسرائيل لا تفرّق بين "جناح عسكري" و"جناح سياسي" حين تقصف. الرد يأتي على دولة لبنان كلها، لأن الدولة سمحت ببقاء هذا الكيان. وكل مرة يُطلق فيها صاروخ من الجنوب، يدفع اللبنانيون الثمن، لا قيادة الحزب المختبئة خلف حسابات إقليمية.

قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، نعم. لكن هذا لا يتحقق بإصدار بيان. بل يتحقق بتفكيك البنية التي صادرت هذا القرار منذ عقود، وباعتراف صريح بأن التجربة قد فشلت، وأن المساكنة مع السلاح غير الشرعي لم تجلب إلا الدمار والهجرة والانهيار الاقتصادي.

كلمات كاتو لم تكن دعوةً إلى الانتقام، بل إلى الحسم. ولبنان اليوم أمام لحظة مشابهة، إما أن نطالب صراحةً بوجوب تفكيك هذا الكيان المسلح سياسياً وأمنياً ومالياً، وإما أن نستمر في تدوير الزوايا حتى يُدمَّر ما تبقّى من الدولة.

قرطاج لم تُهزم ببيان، هُزمت بقرار إستراتيجي واضح. ولبنان لن يُنقذ بحظر مبتور، بل بإعلان لا لبس فيه أن لا مكان بعد اليوم لميليشيات عقائدية داخل جمهورية تدعي السيادة.

وكما قال كاتو، وكما يجب أن نكرر نحن، في كل مجلس، وفي كل خطاب، وفي كل بيان: "يجب أن يُدمَّر هذا الكيان المسلح، إن أردنا للبنان أن يعيش".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.