إيلاف من مراكش: لا تكاد تمر دورة من دورات المهرجان الدولي للفيلم بمراكش من دون أن يكون هناك حضور وبصمة للسينما والسينمائيين المصريين في فعالياتها. بالنسبة للمهتمين والمتابعين، فالاحتفاء بالسينما والسينمائيين المصريين في أكبر مهرجان سينمائي مغربي هو شيء عادي وطبيعي لاعتبارات عديدة، بينها علاقة الود بين الشعبين، فضلا عن قيمة المنجز الفني المصري وتميز السينمائيين المصريين.
في دورة هذه السنة، جاء الحضور السينمائي المصري، في عدد من فقرات مهرجان مراكش، وفيا لما كرسته هذه التظاهرة الفنية منذ أول دوراتها. ففي فقرة العروض الاحتفالية، برمجت الدورة فيلم "الست" لمخرجه وحيد حامد، فضلا عن مشاركة الممثلة يسرا في فقرة "حوارات"، علاوة على التكريم الذي خصص للفنان حسني فهمي، في حفل الافتتاح. وهو تكريم اختار المنظمون أن يرافقه عرض لأربعة أفلام من بطولة النجم المصري المكرم، وهي: "العار" لمخرجه علي عبد الخالق، و"خلي بالك من زوزو" لمخرجه حسن الإمام، و"ليلة بكى فيها القمر" لمخرجه أحمد يحيى، و"إسكندرية كمان وكمان" ليوسف شاهين.
حسين فهمي.. الأيقونة
جسد حسين فهمي بحضوره الكاريزمي، منذ أزيد من خمسة عقود، نبلَ السينما المصرية وحداثتها؛ واستطاع كممثل ومخرج ومنتج، أن يوفّق بين البعد الفني والجماهيري، مسهمًا في ازدهار السينما العربية وتألقها على الساحة العالمية.
حسين فهمي في مهرجان مراكش
ومن خلال كل دور من أدواره، استطاع فهمي أن يقدم معنى خاصًا للأناقة، حيث تمتزج دقة الأداء بصدق الإحساس.
خلال حفل تكريمه في مراكش لم يفوت حسين فهمي فرصة التعبير عن فخره بالاحتفاء الذي خصص له في المهرجان المغربي، فشكر الملك محمد السادس والأمير مولاي رشيد، وتحدث عن علاقته بمراكش، وقال: "لمراكش مكانة خاصة في قلبي، فقد صوّرت هنا "دمي ودموعي وابتسامتي"، أحد أفلامي الأولى. عودتي اليوم إلى هذه المدينة المفعمة بالبهجة لكي أحظى بالتكريم، تعدّ لحظة ثمينة بالنسبة لي".
وُلد حسين فهمي في القاهرة سنة 1940، وهو واحد من أبرز الأسماء في السينما المصرية والعربية. تخرّج من المعهد العالي للسينما سنة 1963، وتابع دراساته في الإخراج بجامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة ، قبل أن ينطلق في مسيرة فنية حافلة شملت أزيد من مئة فيلم ومسلسل تلفزيوني. لفت الأنظار منذ سبعينيات القرن الماضي بأناقته وحضوره المميز، وأكد مكانته من خلال أدوار بارزة في أفلام من قبيل "خلي بالك من زوزو" لحسن الإمام، و"المذنبون" لسعيد مرزوق، و"إسكندرية كمان وكمان" ليوسف شاهين.
من فيلم "خلي بالك من زوزو" من بطولة حسن فهمي
وإلى جانب مسيرته التمثيلية، درّس حسين فهمي الإخراج في أكاديمية الفنون بالقاهرة لمدة اثني عشر عامًا، وتولّى إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي خلال الفترة من 1998 إلى 2001، قبل أن يتولى رئاسته مجددًا سنة 2022. كما جعل التزامه بالقضايا الاجتماعية منه شخصية بارزة على المستوى الإنساني؛ إذ عُيّن سفيرًا للنوايا الحسنة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ثم سفيرًا للأولمبياد الخاص لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ويُعتبر حسين فهمي رمزًا للسينما المصرية المعاصرة، إذ يجمع في مساره بين الأناقة الدائمة والالتزام الراسخ تجاه الثقافة والحوار بين الشعوب.
حوار مع يسرا
تبقى يسرا من أكثر الفنانين المصريين حضورا في دورات مهرجان مراكش. وهي لا تخفي تقديرها الكبير لملك المغرب وللأمير مولاي رشيد وللشعب المغربي، إلى حد أن عددا من كلمات الدارجة المغربية صارت تتخلل مداخلاتها وحواراتها خلال مشاركاتها في المهرجان المغربي.
في مراكش، لا تفوت يسرا فرصة التعبير عن سعادتها الغامرة بالأجواء المغربية، مؤكدة حجم الود الذي تكنه للمغرب قيادة وشعبا.
وتُعتبر يسرا واحدةً من أشهر الفنانات المصريات وأكثرهنّ تأثيراً، فقد شكّلت مسيرتها الفنية جزءاً محورياً من مشهد السينما العربية لأزيد من أربعة عقود. أدت، منذ سبعينيات القرن الماضي، أدوار البطولة في عدد من أشهر الأفلام في تاريخ السينما المصرية، فتألّقت بموهبتها الفريدة وجاذبيّتها القوية وحضورها المتميّز، فضلاً عن أدوارها الرائدة التي ما زالت تلهم أجيالاً من الفنانين.
وتحظى يسرا بتقدير واسع على المستويين العربي والعالمي؛ وقد اختيرت ضمن قائمة أقوى 100 امرأة عربية في العالم، وهي عضو في أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة. كما حظيت، على مدار مسيرتها، بأزيد من 80 جائزة وتكريماً في مهرجانات سينمائية دولية، وذلك تقديراً لإسهاماتها البارزة في تطوير الصناعة السينمائية.
ومن بين أعمال يسرا، التي ستبقى خالدة في الذاكرة: "عمارة يعقوبيان"، و"الإرهاب والكباب"، و"طيور الظلام"، بالإضافة إلى عملها تحت إدارة المخرج يوسف شاهين في أفلامه "إسكندرية ليه؟"، و"إسكندرية كمان وكمان" و"إسكندرية – نيويورك".
كما تألّقت يسرا على الشاشة الصغيرة في عدد من المسلسلات الشهيرة، من بينها "خيانة عهد" و"أحلام سعيدة"، كما شاركت أخيرا في مسلسل "روز وليلى"، بالإضافة إلى "ليلة العيد"و"شقو"، مؤكّدةً بذلك مكانتها كأحد الرموز الخالدة في عالم الترفيه العربي.
"الست" في عرض احتفالي
احتفاء بأبرز الأفلام المرتقبة لهذه السنة، يقدّم مهرجان مراكش، ضمن فقرة العروض الاحتفالية، مجموعة مختارة من أهم الأفلام العالمية المنتظرة خلال هذه السنة، وذلك بحضور نخبة من نجومها. ويأتي في مقدمة هذه الأفلام فيلم "الست" (2025)، من إخراج مروان حامد، وبطولة منى زكي وسيد رجب وأحمد خالد صالح ومحمد فرج وكريم عبد العزيز وأحمد حلمي.
مشهد من فيلم "الست"
ويتحدث الفيلم عن سيدة الطرب العربي، وقصة انطلاق رحلتها الفنية الاستثنائية نحو المجد، من قرية صغيرة في دلتا مصر، ووسط مجتمع شرقي محافظ لا يمنح النساء فرصة للظهور. ويظهر الفيلم كيف أن أم كلثوم، منذ طفولتها، وهي تغني متخفية في هيئة فتى، تواجه نظرات الاستغراب والرفض، وتدفع حياتها ثمنا لموهبة لا تتكرر. كما يستعرض الفيلم مسيرة أم كلثوم الحافلة بالتضحيات والانكسارات، لأجل أن تجعل من صوتها رسالتها الوحيدة، ومن المسرح وطنها الأول؛ هي التي حتى حين حاصرها المرض، ظلت شامخة تواجه الألم بصوت يعلو فوق كل وجع.
ويكشف الفيلم اللحظة المفصلية التي تحولت فيها أم كلثوم من فنانة تطرب جمهورها إلى ملكة أسرت القلوب، ورمز وحد الملايين في زمن الانكسارات والهزائم، مجسدة صوتا خالدا تجاوز حدود الفن، ليصبح ذاكرة أمة بأكملها.



جمهور مهرجان مراكش