: آخر تحديث
هاشتاك الناس

ضجيج تفاهة البشر والسياسة

5
4
4

لنأخذ لحظةً للتأمل، ليس حدادًا على فكرة عظيمة قد اختفت، بل احتفاليةً بتتويج التفاهة كإمبراطورة للقرن الواحد والعشرين، وسقوط المعنى، وازدهار اللاجدوى. لم تعد التفاهة مجرد خطأ عارض في النظام، بل غدت النظام في حد ذاته. لم يعد يُنظر إليها كضيف ثقيل على الثقافة، بل أصبحت مضيفة الحفل، والخطابية الرئيسة، وصاحبة الكلمة الأخيرة. تُمنح الأفكار العميقة 3 ثوانٍ فقط قبل أن تُقطع بإعلان، فيما تمكث السطحية بأمان، لأنه لا خوف منها ولا توقعات تُطلق تجاهها.

لقد ابتكرنا خوارزميات معقدة تراقب سلوكياتنا بدقة مدهشة، ثم طلبنا منها، بكل جدية، أن تقدم لنا "المزيد مما يبهجنا". وكانت النتيجة أنها استجابت بثبات. قدمت لنا ما طلبناه، وليس ما نحتاج. وهكذا، وجدنا أنفسنا غارقين في محيط من المحتوى المصمم خصيصًا ليشغلنا دون أي تقدم فعلي.

نحن الجيل الأول في التاريخ الذي يخاف من الصمت. ثانيتان دون إشعار تشبهان فراغًا وجوديًا. كتاب بلا رسوم متحركة يُعتبر عقوبة. محاضرة تفتقر للصور البصرية تُشبه حقبة ما قبل التاريخ. لقد تحولت الحكمة إلى اقتباسات ملونة، واختُصر النقاش إلى تعليقات هزلية، وتضاءل الوعي إلى "رد فعل". نحن نقرأ لا لفهم المحتوى، بل للرد. لا نشاهد لتلقي المعرفة، بل لنضحك سريعًا ثم ننسى أسرع.

اليوم، السطحية لا تتحدث بعنف، بل تهمس بأمان. تقول لنا: "اهدأ، لا تحتاج لهذا العمق. تناول جرعةً من المتعة ثم استمر". ومع كل جرعة، يتلاشى جزء صغير من قدرتنا على التركيز، والصبر، والتفكر العميق. الانهيار لا يحدث بشكل مفاجئ، بل يتصاعد تدريجيًا. ليست المشكلة في أن الناس أصبحوا أغبياء، بل إن الذكاء فقد قيمته.

سيضحك المؤرخ ذات يوم، إن وجد مؤرخ قادر على قراءة نص طويل، عندما يكتشف أننا امتلكنا مكتبات رقمية بحجم كوكب، واخترنا الجدال حول لون لباس، أو متابعة "تحدي الصمت" بصوت عالٍ. لقد أصبح المثقف عبئًا ثقيلاً، والمفكر بطيئًا، وصاحب الرأي المتوازن "غير جذاب برمجيًا". في حين يبرز المؤثر الذي يصرخ بلا محتوى كبطل هذه المرحلة، إذ يعرف القاعدة الذهبية: لا تقل شيئًا، لكن قله بصوت عالٍ.

قد لا تنهار الحضارات بسبب الجهل، بل بسبب انشغالها بأشياء تافهة. قد تخسر المعارك ليس بسبب عدم المعرفة، بل بسبب عدم الاكتراث. وهكذا، بينما نحتفل بسرعة الاتصال، تتراجع عقولنا. وكلما ضاعفنا تواصلنا، ينخفض فهمنا. ومع تصاعد الضجيج يضعف المعنى.

هذه ليست أزمة محتوى. إنها حقبة تاريخية اختارت فيها الإنسانية أن تستبدل الفكرة بالمؤثر، والتأمل بالتمرير، والعمق بالتصفيق. نحن لا نعيش زمن الضجيج فقط. نحن نعيش زمنًا أصبح فيه الضجيج هو الفكرة.

التفاهة لم تبدأ بوصفة تبولة على الشاشة، ولا برقصة مجنونة عابرة، لكنها لم تكتفِ بالترفيه، بل انتشرت بهدوء حتى وصلت إلى مجريات السياسة. هناك، باتت تدوينة واحدة كفيلة بتغيير واقعنا العراقي إلى مشهد من السطحية السياسية، وجعل السياسيين نجومًا في عالم التفاهة. تبدلت السياسات واختفت الوجوه، وكأن نهاية العالم قد حلت.

يكفي أن يكتب دونالد ترامب سطرًا يرفض فيه عودة نوري المالكي، ليزداد الضجيج، ويتحول النقاش السياسي إلى مهاترات وصراعات، وتبادل التهم، ورعب من المستقبل، والخوف على المال أكثر من الخوف على الوطن.

في زمن الضجيج الفارغ تُدار شؤون الأمم بطريقة مثيرة للسخرية، فقرار بحجم العراق يمكن أن يُختصر في تغريدة، ترتجف لها قلوب "أبطال السياسة"، بينما تقف الحقيقة في مكان بعيد تبتسم بسخرية مرة.

وبالرغم من الصواريخ والمسيّرات وعواصف الحرب التي تضرب المنطقة، ما يزال الرجل متمسكًا بحلم البقاء الأبدي، وكأن السلطة قدر شخصي لا نهاية له. يلمع هذا الحلم في الذهن كإغراء لا ينطفئ، حتى تتحول السياسة، في بعض لحظاتها، إلى لعبة عبثية أشبه بمزاح ثقيل.

عندها يبدو المشهد أقرب إلى أغنية رمضان الشعبية "ماجينا"، ولكن بنغمة سياسية جديدة عنوانها "مانطيها"، حيث يتردد الصدى الساخر:

"نطيها لو ما نطيها، يا أهل العراق، تطونا لو نروح!".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.